منتدى
الغلاف الجوي.. ماهيته، مكوناته، خصائصه
تاريخ النشر: 28 أغسطس 2024 22:28 KSA
لمن لم يكن متابعاً في الإطلالتين السابقتين، نذكر بأننا نهدف عموماً إلى تقريب العلوم الطبيعية والنظرية، وتبسيطها وتلخيصها في اختصار غير مخل، في زمن صارت الإطالة مبعث نفور وإعراض. ونعيد أن المنهج في تلك الإطلالات التركيز على المصطلحات العلمية المستوردة واختبار دقة الترجمات التي وضعت مقابلة لها، ومدى كفاءتها في أداء المعاني المراد إيصال العلوم عبرها، وبالوجاهة التي تتميز لغتنا العربية الفصحى. ونهدف إلى تقديم مقترحات البدائل التي نراها مناسبة وطرحها للتمحيص والتهذيب. كانت الإطلالة الأولي مدخلاً لضرورة التأهل والكفاءة لمقاربة صناعة المصطلح، وثقل الأمانة في تأسيسه. وكانت الإطلالة الثانية بتناول الرياح؛ تعرضت فيها لتصنيفها من حيث الشدة والعنف. وتناولت أشهر تقسيم علمي لشدة الرياح في العصر الحديث (تقسيم بيوفورت) القائم على اثنتي عشرة درجة من الشدة. واقترحت مصطلحات لرياح من التراث العربي بدائل للترجمة الحرفية. وتعرضت إلى علل مصطلحات بيوفورت في لغته الأم؛ مقارنة بلغتنا الفصحى. وقد شطرت جدول بيوفورت في ثلاث مجموعات كبرى، حسب درجات العنف كما يأتي:
المجموعة الأولى: الرياح الرفيقة؛ وتضم الدرجات (1) إلى (6)
المجموعة الثانية: الرياح العنيفة؛ وتضم الدرجات (7) إلى (10)
المجموعة الثالثة: الرياح المدمرة، وتضم الدرجات (11) و(12)
ماهية الغلاف الجوي:
يتداول الناس كلمة الأسافير كلمة دخيلة عربت، ولا يربطونها بكلمة سْفِير ولا يتأملون في دلالة المصطلح. لذا يتوجب علينا بسط القول قبل أن نتقدم في الحديث عن الغلاف الجوي. تعني كلمة سْفِير(بتسكين السين) Sphere الشكل الكروي؛ وهذا الوصف ينطبق على الأرض فهي تتخذ شكلاً كروياًSpherical shape ولكن الشائع يطلق عليها لفظ Globe(جلوب). ويغلف كتلة الأرض ثلاثة أغلفة، اثنان من جسمها وحدودهما واضحة، وهما الغلاف الصخري (الليزوسفير) Lithosphere الذي يمثل صخور القشرة الأرضية، والغلاف المائي (الهايدروسفير) Hydrosphere. ويحيط بهذين الغلافين، وبالأحرى بالكرة الأرضية، الغلاف الجوًي (الأتموسفير) Atmosphere. ولا يفوتنا أن نشير إلى غلاف رابع هو الغلاف الحيوي (البايوسفير) Biosphere. ولم نعده مع الأغلفة لأنه هلامي الامتداد متداخل مع كل الأغلفة التي ذكرنا، ويشمل كل رقعة في الأرض ومياهها هوائها تصلح لنوع من أنواع الحياة. ويلحظ القارئ أن كلاً من تلك المصطلحات منحوت من كلمتين؛ الأولى دالة على الصفة كما بينا، والثانية دالة على الهيئة وهي الإسفيرية التي فرضها جسم الأرض الكروي. وكثير منا يستخدم كلمة الأسافير ويقصرها على مواقع التواصل الاجتماعي على الكرة الأرضية.
لما جاءت كلمة Atmost، التي تعني القمة أو الطرف الأعلى، في مقدمة المصطلح فقد دلت أن الغلاف الجوي هو الثوب أو الكساء الخارجي للأرض، ويبدأ من سطحها وينتهي متلاشياً في الفضاء الخارجي Space. وقبل التقدم للأمام ننبه إلى أنه جاء في فصحانا تعريف الجو بأنه الفضاء ما بين السماء والأرض؛ وهذا يعني أنه أوسع من أن يقتصر على الغلاف الهوائي وأن نهايته غير محددة. ولما برزت العلوم الحديثة استعيرت الكلمة في الاصطلاح للغلاف، وكذلك لوصف حالة الطقس فنقول: الجو حار، أو بارد أو معتدل، نقول الجو ممطر ونقول الجو رطب وجاف.
مكونات الغلاف الجوي:
الغلاف الجوي هو الكتلة الهوائية التي تحيط بالكرة الأرضية؛ ويمتد من سطح الأرض إلى ارتفاع 800 كيلومتر ليتلاشى تدريجياً لتبدأ إحاطة كوكبنا بالفضاء الخارجي. ولأن الهواء يكون رقيقاً في أغلب تلك المسافة (700 كم)، فإن الفلكيين اعتمدوا خط ارتفاع 100 كيلومتر من سطح الأرض ليكون الفاصل بين نهاية الغلاف الجوي وبداية الفضاء الخارجي؛ وأسموه ( خط كارمان). ومن الطرائف أن كارمان، وهو مهندس وعالم فيزياء ورائد فضاء، اقترح فكرة الخط في حوار في أحد المؤتمرات، فالتقفها آخرون وعملوا عليها إلى أن وصلت درجة الاعتماد. وسبب قبول الخط عالمياً، رغم قربه من سطح الأرض وأن مسافة فوقه كبيرة واقعة ضمن جاذبية الأرض، أن الطائرات التقليدية بعده تكون عاجزة عن التحليق إلا بقوة دفع ذاتية لا تعتمد على الغلاف الجوي لضعف قوة رفعه لها لرقة الهواء هناك.
يطلق على الغلاف الجوي اسم الغلاف الغازي، ويتكون من خمس غازات رئيسة ونسب تشكيلها من حجم الهواء كالآتي:
النيتروجين (78%)/ الأكسجين (21%)/ الأرغون (0.9%)/ ثاني أكسيد الكربون (0.04%)/ ونسبة صغيرة من بخار الماء.
ويضاف إلى تلك الغازات غازات أخرى لا تشكل حجومها نسباً مئوية تذكر، ولكن لها أهميتها وخطورتها الوظيفية، ويطلق عليها اسم الغازات النبيلة وهي: الهايدروجين – الهليوم – النيون – الزينون - والأوزون.
مواصلة لتحليل وتهذيب مقياس بيوفورت لدرجات سرعة الرياح وخصائصها، دقة لغتنا العربية في قدرتها في مجال ترجمة المصطلحات والدعوة لعدم الالتفات لفرية عجزها، نقدم هنا الدرجات (4-6). ونتذكر نقدنا شمولها (1-6) بصفة النسيم. فالنسيم لطيف رويد هادئ لا يثير الغبار، ولا يعرقل السير في التجاه المعاكس، ولنتذكر كذلك أننا وضعنا مصطلحنا الموازي المقترح بين معكوفين وبخبر مقوى.
- نسيم معتدل Moderate breeze (24.1 – 33.3كم/س) وهو رياح تثير الأتربة والأوراق المتناثرة:] المُسَفْسِفَة[: الريح تجري فويق الأرض فتثير الغبار. قال كثير عزة: وهاجَ بسفسافِ الترابِ عقيمُها
والسفساف ما دَقَّ من التُّرابِ، العرب تقول سَفَّ الطائرُ سَفَّ سَفِيفاً، إذا مرَّ على وجه الأَرض في طيرانه، وتقول: سَفَّ الدَّواءَ، إذا تناوله يابساً غير معجون. وفي المثل الفصيح والعامي: 'سَفَّ التراب' أي ندم وتحسر! وأهلنا يقولون ذلك بالحرف!
ومن هنا نرسل رسالة وهي الدعوة للمحافظة على العامية التي تربينا عليها؛ ونهذبها ونرقى بها للفصحى بتجويد مناهج التعليم العامة ومناهج اللغة العربية خاصة. وليس سراً أن من بين منسوبي التعليم من يعتقد أن تجويد اللغة العربية حصري على المتخصصين فيها. إذن فلماذا يتوارى العربي خجلاً إذا أخطأ في التخاطب باللغة الأجنبية؟، ولا تقوم شعره في رأسه إذا نبه لخطأ نحوي في لغته الأم؟ بل رب طار فرحاً إذا وصف بأنه خواجة. أنا شخصياً أتمنى أن أجيد التحدث بعدة لغات بشرط أن يكون مستوى تحدثي بالعربية فوق كل ذلك، إنها ماعون ديني، وأعتز. عندنا الخطأ في النحو من معلم الرياضيات شنيع! يقول شوقي:
وإذا المعلمُ ساءَ لحْظَ بَصيـــرةِ جاءتْ على يدهِ البصائرُ حُولا
كيف يصف بيوفورت الدرجة الرابعة في بأنها نسيم معتدل ؟. ولكننا نلوم المترجم. هذه درجة مزعجة من الهبوب، ولئن لم يجد بيوفورت في لغته الإنجليزية ما يفرق به اصطلاحاً ست درجات في السرعة وجمعها جمعاً موهماً باسم النسيم، وألحق كل واحدة بصفة عالجت ولم تُشْفِ؛ وفي لغتنا الشفاء.
- نسيم عليل Breeze Fresh (35.2 – 44.4 كم/س) وهو رياح تحرك الشجيرات الصغيرة وتكون تموجات صغيرة على سطوح مياه البحيرات والأنهار:]الدروج[: هي الرِّيحُ السَّريعةُ المَرِّ، التي يرى لها ذيل كالرسن في الرمل تدرج بالحصى، أي تجَرَي عليه جَرْياً شديداً،
فتسْتَدْرِجُهُ من غير أن ترفعه، وتجَعَلُهُ كأنَّهُ يَدْرُجُ بِنَفْسِهِ. وهو الذي تُغَشِّيهِ الرِّياحُ رُسومَ الدِّيارِ.
- نسيم قوي Breeze Strong (46.3 – 57.4 كم/س) تحرك الأغصان الكبيرة ويسمع لها صفير عند مصادمة أسلاك التلفونات:]الحنون[: تحرك الشجر بشدة، ولها حنين كحنين الإبل. قال النابغة:
غشيتُ لها منازلَ مُقْفِراتٍ تُذعذِعُها مُذَعذِعَةٌ حنُـونُ
ثانياً. الرياح العنيفة (60 - 116 كم/س):
نقرر مرة أخرى أن كل مصطلحات هذه المجموعة الأربعة عليها ملحوظات ناقدة. فمن الغرائب أن الريح القوية بعبارة (7. ريح عالٍ) كلمة موهمة! أما بقية المصطلحات (8 – 9 - 10) فقد شملت ضمن مصطلح هوجاء؛ وجاء فقط، وشديدة، ثم انطر جمال البدائل العربية.
- ريح عالٍ High wind 59.3 – 70.4: تحرك جميع الأشجار حتى الكبيرة منها ويسمع لها صفير عند مصادمة أسلاك التلفون ]الحاصبة[: الريح الشديدة تحمل التراب والحصى، وهي التي أهلكت قوم هود. وصفها ابن كثير: ' ... فجاءتهم ريح صرصر شديدة البرد، عاتية شديدة الهبوب جداً، تحمل عليهم حصباء الأرض، وتقتلعهم من الأرض فترفعهم إلى عنان السماء ، ثم تنكسهم على أم رؤوسه ...'. والإمام ابن كثير يتحدث عنها آية عذاب وأبرز ثلاث خواص هي: الحصب وهو حمل التراب والحصى والرمي به على الهدف المُحَصَّب، والعتو والعنف، والبرودة الشديدة. والباردة تأتي من الشمال متفقة مع تفسيره. ولكن هذه ريح عذاب وتدمير قد تأتي مخالفة لنواميس الكون، خارقة للعادة في حصبها، وفي عتوها عتواً كبيراً ! أما حصباؤنا المعهودة فقد تجيء ابتلاء مثل الأعاصير المدمرة. وعليه نركز في مصطلحنا على الرياح المعتادة على صفة العنف والحصب دون البرودة. فالرياح العنيفة الحاصبة قد تأتي من أي جهة. ولتأكيد أصالة معنى المُحَصَّب في تراثنا، فهو موضع رمي الجمار بمني، وهو أيضاً مكان بين مكة ومنى، قيل هو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح ثم إلى مكة، سميا بذلك للحصى الذي فيهما. قال الفرزدق:
مستقبلين شمالَ الشامِ تضربُنا بحاصبٍ كَنَفِيِّ القطنِ منثــورِ
- هوجاء Gale 72.2– 81.5 كم/س تكسر بعض الأغصان وتمنع السير في الاتجاه المضاد] الهجوم[: الريح المباغتة تقلع كل شيء وهي الخرقاء الشديدة الهبوب. قال علقمة بن عبدة:
صَعْلٍ كأن جَناحيهِ وجُؤجــؤَهُ بيتٌ أطافتْ به خَرقاءُ مَهجومُ
- هوجاء شديدة Strong gale83.3 – 100 كم/ تكسر بعض المنشآت الضعيفة مثل الساريات والمداخن]الهوجاء[: الرياح المتداركة الهبوب كأن بها هوجاً، قال ابن الأحمر:
وَلِهتْ عليهِ كلُّ مُعْصِفَةٍ هَوْجَــــاءَ ليس لِلُبِّها زَبْرُ
- هوجاء عاصف ) Whole Gale 101.9 – 116.7 كم/س) تقتلع الأشجار وتسبب كثيراً من التخريب ]الزعزعان[: ريح تزعزع الأشياء، وتقتلع الأشجار، أنشد ثعلبة:
ألا حبذا ريحُ الصبا حين زعزعتْ بقضبانهِ بعدَ الظــــــلالِ جَنــــوبُ
ثالثاً. الرياح المدمرة:
ونلحظ في هذا القسم أن المصطلحين اللذين احتواهما مقبولان
- العاصفة Storm (118.5 – 138.9 كم/س) هي رياح تحدث تخريباً شديداً قد يودي إلى تطاير أسقف بعض المنازل:] العاصفَة[:هي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. قال تعالى: { هُوَ ٱلَّذِی یُسَیِّرُكُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا كُنتُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَیۡنَ بِهِم بِرِیحࣲ طَیِّبَةࣲ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَاۤءَتۡهَا رِیحٌ عَاصِفࣱ وَجَاۤءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانࣲ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ أُحِیطَ بِهِمۡ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ لَىِٕنۡ أَنجَیۡتَنَا مِنۡ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ } يُونُسَ: ٢٢. من هنا يتضح أن العاصفة كانت مخففة وكانت صدمة موعية للعبرة ولم تكن عقاباً.
وقد تصحب العواصف بعض الظواهر الطقسية فتخصصها؛ مثل العواصف الترابية، والرعدية، والثلجية التي تتفاوت في درجات عنفها وفي حجومها وفي ديمومتها. فمنها ما لا يتعدى تأثيره مساحة 25كم²، ولا يتعدى عدة ساعات. ومن العواصف ما يغطي قارات بأكملها ويدوم لأسابيع.
- الإعصار Hurricane (أكثر من 138.9 كم/س) يحدث تخريباً عاماً وغرقاً لبعض السفن، وخسائر في الأنفس. والأعاصير نوعان: القُمْعيّة - المخروطية - (تورنيدو Tornado) الدوارة، والأعاصير الاستوائية الهاركين، وهي عاتية تتولد جنوبي المحيط الأطلنطي وبحر الكاريبي وخليج المكسيك وشرق المحيط الهادي. ] الإعصار[: وردت الكلمة بنفس المعنى في قوله تعالى:{ أَیَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةࣱ مِّن نَّخِیلࣲ وَأَعۡنَابࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ لَهُۥ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّیَّةࣱ ضُعَفَاۤءُ فَأَصَابَهَاۤ إِعۡصَارࣱ فِیهِ نَارࣱ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} البَقَرَةِ: ٢٦٦
وهنالك مقاييس أخرى أشهرها مقياس سفير - سمبسون للأعاصير Saffir–Simpson Hurricane Scale (SSHS) صنـِّف فيه الأعاصير المدارية في نصف الكرة الغربي شمالي المحيط الأطلسي، وشمالي المحيط الهادي شرق خط التاريخ العالمي، والتي تتعدى في شدتها المنخفضات والعواصف المدارية، إلى خمس درجات حسب شدة الريح المستدامة. وأول فرق عن بيوفورت، أنه جعل العاصفة Storm(118.5 – 138.9 كم/س) ضمن الدرجة الأولى من الإعصار. وتستخدم المناطق الأخرى في العالم مقاييس مختلفة لتصنيف تلك العواصف، وبمسميات مختلفة كالأعاصير والزوابع cyclones أو التايفون typhoon، أو ويلي ويلي welly welly حسب المنطقة.
درجات الأعاصير عند سفير - سمبسون:
الأولى = 153 - 119 كم/س = رياح خطيرة جداً ينتج عنها بعض الضرر
الثانية = 177 - 154 كم/س = رياح شديدة الخطورة تسبب ضرراً واسعاً
الثالثة = 178 – 208كم/س = ضرر مدمر
الرابعة =251 - 209 كم/س = ضرر مروع
الخامسة= ≥ 252كم/س = ضرر كارثي
المجموعة الأولى: الرياح الرفيقة؛ وتضم الدرجات (1) إلى (6)
المجموعة الثانية: الرياح العنيفة؛ وتضم الدرجات (7) إلى (10)
المجموعة الثالثة: الرياح المدمرة، وتضم الدرجات (11) و(12)
ماهية الغلاف الجوي:
يتداول الناس كلمة الأسافير كلمة دخيلة عربت، ولا يربطونها بكلمة سْفِير ولا يتأملون في دلالة المصطلح. لذا يتوجب علينا بسط القول قبل أن نتقدم في الحديث عن الغلاف الجوي. تعني كلمة سْفِير(بتسكين السين) Sphere الشكل الكروي؛ وهذا الوصف ينطبق على الأرض فهي تتخذ شكلاً كروياًSpherical shape ولكن الشائع يطلق عليها لفظ Globe(جلوب). ويغلف كتلة الأرض ثلاثة أغلفة، اثنان من جسمها وحدودهما واضحة، وهما الغلاف الصخري (الليزوسفير) Lithosphere الذي يمثل صخور القشرة الأرضية، والغلاف المائي (الهايدروسفير) Hydrosphere. ويحيط بهذين الغلافين، وبالأحرى بالكرة الأرضية، الغلاف الجوًي (الأتموسفير) Atmosphere. ولا يفوتنا أن نشير إلى غلاف رابع هو الغلاف الحيوي (البايوسفير) Biosphere. ولم نعده مع الأغلفة لأنه هلامي الامتداد متداخل مع كل الأغلفة التي ذكرنا، ويشمل كل رقعة في الأرض ومياهها هوائها تصلح لنوع من أنواع الحياة. ويلحظ القارئ أن كلاً من تلك المصطلحات منحوت من كلمتين؛ الأولى دالة على الصفة كما بينا، والثانية دالة على الهيئة وهي الإسفيرية التي فرضها جسم الأرض الكروي. وكثير منا يستخدم كلمة الأسافير ويقصرها على مواقع التواصل الاجتماعي على الكرة الأرضية.
لما جاءت كلمة Atmost، التي تعني القمة أو الطرف الأعلى، في مقدمة المصطلح فقد دلت أن الغلاف الجوي هو الثوب أو الكساء الخارجي للأرض، ويبدأ من سطحها وينتهي متلاشياً في الفضاء الخارجي Space. وقبل التقدم للأمام ننبه إلى أنه جاء في فصحانا تعريف الجو بأنه الفضاء ما بين السماء والأرض؛ وهذا يعني أنه أوسع من أن يقتصر على الغلاف الهوائي وأن نهايته غير محددة. ولما برزت العلوم الحديثة استعيرت الكلمة في الاصطلاح للغلاف، وكذلك لوصف حالة الطقس فنقول: الجو حار، أو بارد أو معتدل، نقول الجو ممطر ونقول الجو رطب وجاف.
مكونات الغلاف الجوي:
الغلاف الجوي هو الكتلة الهوائية التي تحيط بالكرة الأرضية؛ ويمتد من سطح الأرض إلى ارتفاع 800 كيلومتر ليتلاشى تدريجياً لتبدأ إحاطة كوكبنا بالفضاء الخارجي. ولأن الهواء يكون رقيقاً في أغلب تلك المسافة (700 كم)، فإن الفلكيين اعتمدوا خط ارتفاع 100 كيلومتر من سطح الأرض ليكون الفاصل بين نهاية الغلاف الجوي وبداية الفضاء الخارجي؛ وأسموه ( خط كارمان). ومن الطرائف أن كارمان، وهو مهندس وعالم فيزياء ورائد فضاء، اقترح فكرة الخط في حوار في أحد المؤتمرات، فالتقفها آخرون وعملوا عليها إلى أن وصلت درجة الاعتماد. وسبب قبول الخط عالمياً، رغم قربه من سطح الأرض وأن مسافة فوقه كبيرة واقعة ضمن جاذبية الأرض، أن الطائرات التقليدية بعده تكون عاجزة عن التحليق إلا بقوة دفع ذاتية لا تعتمد على الغلاف الجوي لضعف قوة رفعه لها لرقة الهواء هناك.
يطلق على الغلاف الجوي اسم الغلاف الغازي، ويتكون من خمس غازات رئيسة ونسب تشكيلها من حجم الهواء كالآتي:
النيتروجين (78%)/ الأكسجين (21%)/ الأرغون (0.9%)/ ثاني أكسيد الكربون (0.04%)/ ونسبة صغيرة من بخار الماء.
ويضاف إلى تلك الغازات غازات أخرى لا تشكل حجومها نسباً مئوية تذكر، ولكن لها أهميتها وخطورتها الوظيفية، ويطلق عليها اسم الغازات النبيلة وهي: الهايدروجين – الهليوم – النيون – الزينون - والأوزون.
مواصلة لتحليل وتهذيب مقياس بيوفورت لدرجات سرعة الرياح وخصائصها، دقة لغتنا العربية في قدرتها في مجال ترجمة المصطلحات والدعوة لعدم الالتفات لفرية عجزها، نقدم هنا الدرجات (4-6). ونتذكر نقدنا شمولها (1-6) بصفة النسيم. فالنسيم لطيف رويد هادئ لا يثير الغبار، ولا يعرقل السير في التجاه المعاكس، ولنتذكر كذلك أننا وضعنا مصطلحنا الموازي المقترح بين معكوفين وبخبر مقوى.
- نسيم معتدل Moderate breeze (24.1 – 33.3كم/س) وهو رياح تثير الأتربة والأوراق المتناثرة:] المُسَفْسِفَة[: الريح تجري فويق الأرض فتثير الغبار. قال كثير عزة: وهاجَ بسفسافِ الترابِ عقيمُها
والسفساف ما دَقَّ من التُّرابِ، العرب تقول سَفَّ الطائرُ سَفَّ سَفِيفاً، إذا مرَّ على وجه الأَرض في طيرانه، وتقول: سَفَّ الدَّواءَ، إذا تناوله يابساً غير معجون. وفي المثل الفصيح والعامي: 'سَفَّ التراب' أي ندم وتحسر! وأهلنا يقولون ذلك بالحرف!
ومن هنا نرسل رسالة وهي الدعوة للمحافظة على العامية التي تربينا عليها؛ ونهذبها ونرقى بها للفصحى بتجويد مناهج التعليم العامة ومناهج اللغة العربية خاصة. وليس سراً أن من بين منسوبي التعليم من يعتقد أن تجويد اللغة العربية حصري على المتخصصين فيها. إذن فلماذا يتوارى العربي خجلاً إذا أخطأ في التخاطب باللغة الأجنبية؟، ولا تقوم شعره في رأسه إذا نبه لخطأ نحوي في لغته الأم؟ بل رب طار فرحاً إذا وصف بأنه خواجة. أنا شخصياً أتمنى أن أجيد التحدث بعدة لغات بشرط أن يكون مستوى تحدثي بالعربية فوق كل ذلك، إنها ماعون ديني، وأعتز. عندنا الخطأ في النحو من معلم الرياضيات شنيع! يقول شوقي:
وإذا المعلمُ ساءَ لحْظَ بَصيـــرةِ جاءتْ على يدهِ البصائرُ حُولا
كيف يصف بيوفورت الدرجة الرابعة في بأنها نسيم معتدل ؟. ولكننا نلوم المترجم. هذه درجة مزعجة من الهبوب، ولئن لم يجد بيوفورت في لغته الإنجليزية ما يفرق به اصطلاحاً ست درجات في السرعة وجمعها جمعاً موهماً باسم النسيم، وألحق كل واحدة بصفة عالجت ولم تُشْفِ؛ وفي لغتنا الشفاء.
- نسيم عليل Breeze Fresh (35.2 – 44.4 كم/س) وهو رياح تحرك الشجيرات الصغيرة وتكون تموجات صغيرة على سطوح مياه البحيرات والأنهار:]الدروج[: هي الرِّيحُ السَّريعةُ المَرِّ، التي يرى لها ذيل كالرسن في الرمل تدرج بالحصى، أي تجَرَي عليه جَرْياً شديداً،
فتسْتَدْرِجُهُ من غير أن ترفعه، وتجَعَلُهُ كأنَّهُ يَدْرُجُ بِنَفْسِهِ. وهو الذي تُغَشِّيهِ الرِّياحُ رُسومَ الدِّيارِ.
- نسيم قوي Breeze Strong (46.3 – 57.4 كم/س) تحرك الأغصان الكبيرة ويسمع لها صفير عند مصادمة أسلاك التلفونات:]الحنون[: تحرك الشجر بشدة، ولها حنين كحنين الإبل. قال النابغة:
غشيتُ لها منازلَ مُقْفِراتٍ تُذعذِعُها مُذَعذِعَةٌ حنُـونُ
ثانياً. الرياح العنيفة (60 - 116 كم/س):
نقرر مرة أخرى أن كل مصطلحات هذه المجموعة الأربعة عليها ملحوظات ناقدة. فمن الغرائب أن الريح القوية بعبارة (7. ريح عالٍ) كلمة موهمة! أما بقية المصطلحات (8 – 9 - 10) فقد شملت ضمن مصطلح هوجاء؛ وجاء فقط، وشديدة، ثم انطر جمال البدائل العربية.
- ريح عالٍ High wind 59.3 – 70.4: تحرك جميع الأشجار حتى الكبيرة منها ويسمع لها صفير عند مصادمة أسلاك التلفون ]الحاصبة[: الريح الشديدة تحمل التراب والحصى، وهي التي أهلكت قوم هود. وصفها ابن كثير: ' ... فجاءتهم ريح صرصر شديدة البرد، عاتية شديدة الهبوب جداً، تحمل عليهم حصباء الأرض، وتقتلعهم من الأرض فترفعهم إلى عنان السماء ، ثم تنكسهم على أم رؤوسه ...'. والإمام ابن كثير يتحدث عنها آية عذاب وأبرز ثلاث خواص هي: الحصب وهو حمل التراب والحصى والرمي به على الهدف المُحَصَّب، والعتو والعنف، والبرودة الشديدة. والباردة تأتي من الشمال متفقة مع تفسيره. ولكن هذه ريح عذاب وتدمير قد تأتي مخالفة لنواميس الكون، خارقة للعادة في حصبها، وفي عتوها عتواً كبيراً ! أما حصباؤنا المعهودة فقد تجيء ابتلاء مثل الأعاصير المدمرة. وعليه نركز في مصطلحنا على الرياح المعتادة على صفة العنف والحصب دون البرودة. فالرياح العنيفة الحاصبة قد تأتي من أي جهة. ولتأكيد أصالة معنى المُحَصَّب في تراثنا، فهو موضع رمي الجمار بمني، وهو أيضاً مكان بين مكة ومنى، قيل هو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح ثم إلى مكة، سميا بذلك للحصى الذي فيهما. قال الفرزدق:
مستقبلين شمالَ الشامِ تضربُنا بحاصبٍ كَنَفِيِّ القطنِ منثــورِ
- هوجاء Gale 72.2– 81.5 كم/س تكسر بعض الأغصان وتمنع السير في الاتجاه المضاد] الهجوم[: الريح المباغتة تقلع كل شيء وهي الخرقاء الشديدة الهبوب. قال علقمة بن عبدة:
صَعْلٍ كأن جَناحيهِ وجُؤجــؤَهُ بيتٌ أطافتْ به خَرقاءُ مَهجومُ
- هوجاء شديدة Strong gale83.3 – 100 كم/ تكسر بعض المنشآت الضعيفة مثل الساريات والمداخن]الهوجاء[: الرياح المتداركة الهبوب كأن بها هوجاً، قال ابن الأحمر:
وَلِهتْ عليهِ كلُّ مُعْصِفَةٍ هَوْجَــــاءَ ليس لِلُبِّها زَبْرُ
- هوجاء عاصف ) Whole Gale 101.9 – 116.7 كم/س) تقتلع الأشجار وتسبب كثيراً من التخريب ]الزعزعان[: ريح تزعزع الأشياء، وتقتلع الأشجار، أنشد ثعلبة:
ألا حبذا ريحُ الصبا حين زعزعتْ بقضبانهِ بعدَ الظــــــلالِ جَنــــوبُ
ثالثاً. الرياح المدمرة:
ونلحظ في هذا القسم أن المصطلحين اللذين احتواهما مقبولان
- العاصفة Storm (118.5 – 138.9 كم/س) هي رياح تحدث تخريباً شديداً قد يودي إلى تطاير أسقف بعض المنازل:] العاصفَة[:هي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. قال تعالى: { هُوَ ٱلَّذِی یُسَیِّرُكُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا كُنتُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَیۡنَ بِهِم بِرِیحࣲ طَیِّبَةࣲ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَاۤءَتۡهَا رِیحٌ عَاصِفࣱ وَجَاۤءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانࣲ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ أُحِیطَ بِهِمۡ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ لَىِٕنۡ أَنجَیۡتَنَا مِنۡ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ } يُونُسَ: ٢٢. من هنا يتضح أن العاصفة كانت مخففة وكانت صدمة موعية للعبرة ولم تكن عقاباً.
وقد تصحب العواصف بعض الظواهر الطقسية فتخصصها؛ مثل العواصف الترابية، والرعدية، والثلجية التي تتفاوت في درجات عنفها وفي حجومها وفي ديمومتها. فمنها ما لا يتعدى تأثيره مساحة 25كم²، ولا يتعدى عدة ساعات. ومن العواصف ما يغطي قارات بأكملها ويدوم لأسابيع.
- الإعصار Hurricane (أكثر من 138.9 كم/س) يحدث تخريباً عاماً وغرقاً لبعض السفن، وخسائر في الأنفس. والأعاصير نوعان: القُمْعيّة - المخروطية - (تورنيدو Tornado) الدوارة، والأعاصير الاستوائية الهاركين، وهي عاتية تتولد جنوبي المحيط الأطلنطي وبحر الكاريبي وخليج المكسيك وشرق المحيط الهادي. ] الإعصار[: وردت الكلمة بنفس المعنى في قوله تعالى:{ أَیَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةࣱ مِّن نَّخِیلࣲ وَأَعۡنَابࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ لَهُۥ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّیَّةࣱ ضُعَفَاۤءُ فَأَصَابَهَاۤ إِعۡصَارࣱ فِیهِ نَارࣱ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} البَقَرَةِ: ٢٦٦
وهنالك مقاييس أخرى أشهرها مقياس سفير - سمبسون للأعاصير Saffir–Simpson Hurricane Scale (SSHS) صنـِّف فيه الأعاصير المدارية في نصف الكرة الغربي شمالي المحيط الأطلسي، وشمالي المحيط الهادي شرق خط التاريخ العالمي، والتي تتعدى في شدتها المنخفضات والعواصف المدارية، إلى خمس درجات حسب شدة الريح المستدامة. وأول فرق عن بيوفورت، أنه جعل العاصفة Storm(118.5 – 138.9 كم/س) ضمن الدرجة الأولى من الإعصار. وتستخدم المناطق الأخرى في العالم مقاييس مختلفة لتصنيف تلك العواصف، وبمسميات مختلفة كالأعاصير والزوابع cyclones أو التايفون typhoon، أو ويلي ويلي welly welly حسب المنطقة.
درجات الأعاصير عند سفير - سمبسون:
الأولى = 153 - 119 كم/س = رياح خطيرة جداً ينتج عنها بعض الضرر
الثانية = 177 - 154 كم/س = رياح شديدة الخطورة تسبب ضرراً واسعاً
الثالثة = 178 – 208كم/س = ضرر مدمر
الرابعة =251 - 209 كم/س = ضرر مروع
الخامسة= ≥ 252كم/س = ضرر كارثي