كتاب

قماري (2)

القُمري بضم القاف، هو أحد أنواع الطيور الجميلة، التي تتميَّز بطيرانها الرَّشيق، وشكلها الجميل، وأصواتها العذبة.. وغالبًا أنَّ الاسم له علاقة بالقمر بشكلٍ أو بآخرَ.. وهذا هو موضوعنا اليوم، فبعض من حواديث الأقمار الصناعيَّة تستحق وقفات تأمُّل: ففي أكتوبر 1957، عندما أذهل الاتحاد السوفيتي العالم بإطلاق أوَّل قمر صناعي كروي بحجم الحبحبة الكبيرة، كان مصممًا ليطلق إشارات راديو سهلة الالتقاط بأجهزة عاديَّة أثناء دورانه حول الأرض.. مرَّة كل تسعين دقيقة، ليُعلن عن التفوق العلمي لبلاده.. وكان لهذا القمر الشهير باسم «سبوتنك1»، ومعناه «الرفيق الصغير»، الأثر الكبير على الرأي العام في الولايات المتحدة بشكلٍ خاصٍّ، وخصوصًا أنَّ أمريكا كانت على وشك أنْ تطلق قمرها الصناعي الأوَّل واسمه «اكسبلورر1».. وانصبَّت جهود مجموعات هائلة من العلماء والمهتمِّين لرصد القمر السوفيتي، ومنهم عالمان اكتشفا أنَّهما يستطيعان تحديد موقعهما على الأرض بدقَّة من خلال تحليل إشارة «الرفيق».. والطرفة هنا أنَّ العالمين تعرَّضا للتوبيخ من رئيسهما؛ الذي لم يستدرك فائدة أنْ يعرف شخص موقعه على الأرض، فالمتوقَّع أنْ يعرف الجميع مواقعهم على الأرض.. الشَّاهد أنَّ الفكرة لم تتبلور بالكامل لدى العلماء لفترة من الزمن.. ولكنَّها عادت بقوَّة في الستينيَّات بعدَّة خطوات ومنها نظام «ترانزيت»، الذي استخدم خمسة «قماري»، ثم أرسل أوَّل الأقمار الصناعيَّة الملاحيَّة المتطوِّرة واسمه النجم الملاحي «نافستار» عام 1978.. وكانت بداية مرحلة جديدة من التقنيات الملاحيَّة المذهلة التي أنعم الله علينا بها، وجاءت النقلة الكبيرة المدنيَّة عام 1983، بعد كارثة ضرب طائرة الركاب المدنيَّة الكورية بالخطأ، وقتل جميع ركابها البالغ عددهم 269؛ بسبب انحرافها عن مسارها فوق الأراضي السوفيتيَّة.. وهنا تم فتح المجال للسماح بالاستخدامات المدنيَّة لهذه التقنية العسكريَّة المتطوِّرة.. ومع مرور الزمن، أصبحت من أساسيَّات حياتنا بشكل أو بآخر: في تأكيد وتطبيق إجراءات الأمن والأمان، والدفاع، والإنقاذ، والملاحة في البر، والبحر، والجو، والزراعة، والتعدين، ولا ننسى توصيل ملايين المأكولات يوميًّا، وضبط ساعات العالم بدقة، وغيرها من التطبيقات المذهلة -بمشيئة الله-.

تعتمد التقنية على «نظام الملاحة العالمي GPS Global Positioning System»، وهي مكوَّنة من منظومة تحوي 24 قمرًا صناعيًّا تدور حول الأرض على ارتفاع قدره حوالى 20200 كيلومتر فوق ارتفاع البحر، وبسرعة حوالى أحد عشر ألف كيلومتر في الساعة.. وتحتاج المنظومة إلى أربعة أقمار، منها فقط لتحديد المواقع ثلاثة لتحديد الموقع الأفقي، وواحد لتحديد الموقع الرأسي.. وهذا النظام هو الأمريكي، علمًا بأنَّ هناك أيضًا منظومات روسيَّة اسمها «جلوناس»، وأوروبيَّة اسمها «جاليليو»، وصينيَّة اسمها «بيدو»، وكلها تحتوي على القماري الفضائيَّة لتقوم بنفس الوظيفة.. وتتعرَّض كلها لمجموعات من المخاطر، وأهمها الهجوم من الأقمار الصناعيَّة «الخبيثة»، التي تهدد سلامتها بالصِّدام، أو بالتَّشويش، والتأثير على إشارات الأقمار المسالمة.. وقد شهدنا بداياتها في دقَّة التصويب المذهلة في حرب تحرير الكويت الشَّقيق عام 1991، ولا تزال مستمرَّةً إلى اليوم.


* أمنية:

لا يزال الإرث العسكري لتقنية تحديد المواقع يلعب أحد أكبر الأدوار في الصراعات حول العالم، فهو من أساسيَّات مصطلح «القنابل الذكيَّة»، وبالذَّات لتصويب القنابل نحو الأبرياء كما نشهد -بحزنٍ- في الاعتداء على المدنيِّين في الشَّقيقتين فلسطينَ ولبنانَ.. أتمنَّى أنْ تصبح الهيمنة الكُبْرى لهذه التطبيقات في المجالات السلميَّة المتعدِّدة، سواء كانت للبحث والإنقاذ، أو لتقديم مصطلح «الفلافل الذكيَّة»، وغيرها من الاستخدامات النَّافعة للبشر، بما يرضي الله، وهو مِن وراء القصد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة