كتاب

ورود

الورود من النعم التي قد لا نعطها حقها من التأمل، لأن الكثير من الناس يعتبرها «مجرد زهور».. نستمتع بجمالها بمعظم أحاسيسنا.. أشكالها، وأحجامها، وألوانها، ورائحتها، وملمسها، وطعمها.. وفضلا تخيّل ما كتب في وصفها بجميع لغات العالم، وبالمكانة التي تحتلها في عالم الرسوم الفنية، والتصوير الضوئي، والشعر، ودلالات الحب.. ولا تقتصر روائعها على عالم البشر فحسب، ففي عالم الطيور والحشرات تحتل الورود مكانة راقية جدا، لأنها تمثل قمة التعبير عن صحة النباتات.. وهذا التعبير هو من أساسيات الجذب للكائنات للتلقيح ونشر النعم والخيرات عبر مسافات كبيرة.. ولكن للورود بعض الجوانب الأخرى غير المتوقعة، وإليكم بعضها: الحالة الأولى كانت أثناء الحملات الصليبية التي تعرضت لها القدس الجميلة بدءا من عام 1099 م.. وكانت تشمل مختلف أنواع البطش، والقسوة، والعنصرية من خلال مجموعات مختلفة، ومنها فرق المليشيات المسلحة التي كانت تختبئ خلف شعار حماية الحجاج إلى بيت المقدس من الأراضي الأوروبية. ومن أهم تلك الفرق المسلحة كانت مجموعة «فرسان الهيكل» التي كانت الأقوى عسكريا، وماليا، وسياسيا.. وبعدما انتهت الحملات الصليبية عام 1291م، تقلص نشاط المليشيات، ولكنها عادت بعد فترات طويلة كجمعيات سرية، وكل منها برسالتها الخاصة. وإحدى تلك المجموعات اشتهرت باسم «الصليب الوردي»، وكان شعارها الورود الحمراء بداخل الصليب الأبيض.. ولدت هذه الجمعية بنهاية القرن السابع عشر في ألمانيا، وامتد نفوذها إلى الولايات المتحدة.. وكما هو الحال للجمعيات السرية، فلها رموزها وطقوسها وأنظمتها.. وبعض من رموزها لا تزال موجودة إلى اليوم، وبالذات في بعض المنشآت العمرانية في العاصمة الأمريكية. ومن أهم تلك الرموز هي استخدام الورد الأحمر في الرسائل كبصمة مميزة.

والحالة الثانية للجوانب غير المتوقعة للورد، بدأت في القرن السادس عشر في هولندا، التي كانت من أقوى دول العالم بالرغم من حجمها الصغير.. استخدمت قوتها البحرية ودهاءها لاحتلال مجموعة دول وأهمها إندونيسيا، وقامت بتأسيس أول الشركات العالمية العملاقة، ودعمتها بالقوة العسكرية لاستغلال ثروات الدول التي استعمرتها لتسوق منتجاتها عالميا.. وفي المقابل حصلت على درجة رفاهية كانت تحسد عليها لحكومتها ولمواطنيها، وكانت رسميا في عصرها «الذهبي».. وكانت ورود «التيوليب» قد وجدت طريقها إلى العواصم الأوروبية المختلفة من مزارع أراضي الامبراطورية العثمانية.. وتم توطينها على الأراضي الهولندية، فوجدت رواجا هائلا، وفجأة تعدى الاهتمام الاستخدامات التقليدية للورود الجميلة، فأصبحت أداة مضاربة مالية، علما بأن التداولات في سوق الورد كانت تبدأ بالبذور قبل زراعتها، وكانت تستمر ما قبل، وأثناء، دورة زراعة الورد.. وفي 1634 اشتعلت سلوكيات القطيع التي تجر الناس للاستثمار سعياً للكسب السريع بدون اعتبارات للأسس الاستثمارية المتعلقة بالقيمة، وارتفع سعر الوردة ليصل إلى ما يعادل عشرة أمثال وسيط الدخل السنوي لحرفيين.. ما يفوق الثلاثمائة ألف ريال.. ما يعادل اليوم سعر سيارة «بورشه» جديدة.. لوردة واحدة من فصيلة «فايسروي».. وفجأة في فبراير 1637 انفجرت الفقاعة الضخمة وسقط السوق.. وتكبدت البلاد الخسائر الهائلة.


* أمنيــــة:

مهما كانت الأشياء جميلة، فهي تعكس في بعض الأحيان بعض الجوانب الداكنة غير المتوقعة. أتمنى أن نتذكر أن في مثال الورد الجميل، كما هو الحال في معظم الأحوال، تظهر الجوانب السلبية بسبب عمل بعض غير المقدرين لنعم الله العظيمة.. وسأختم الحديث بمعلومة مهمة: كان قطاع غزة من المناطق المصدرة للورود المتميزة إلى أوروبا، ومنذ بضع سنوات وصلت إلى أكثر من مليون وردة وزهرة سنويا.. واليوم لم تبقَ وردة غزاوية واحدة للتصدير.. وهذه إضافة لسجل البطش والدمار.. وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!