كتاب

فوبيا مشاهدة سُحب السماء..!!

تلقَّيْتُ قبل أيَّام، وبِحُزْنٍ بالغٍ، وفاة أحد أصدقاء الطفولة في مسقط رأسي مدينة الطَّائف، وكُنَّا إضافةً لكوننا صديقين جارينَ لصيقين في حيِّ المزغديَّة المعروف الآن بحيِّ أمِّ العراد.

رحمه الله رحمةً واسعةً، وفيه أردِّد قول الشاعر:


يَا جارَ طفولتِي وَرفيقَ الصِّبَا قَدْ

غِبْتَ عنِّي فاستوحشْتُ مسْكَنا


وكُنَّا نكادُ لا نفترق إلَّا وقتَ النوم، ففي صلاة الفجر نلتقي في مسجد الحيِّ المُجاور، ونمشي سويًّا على أقدامنا لنفس المدرسة، ونعود منها سويًّا عند صرْفة المدارس، ونُذاكر معًا بعد الظهر، وتناول الغداء، ونلعب كرة القدم في ملاعب الحيِّ التُرابيَّة في العصريَّة، ثمَّ يدخل كلٌّ منَّا بيته قُبيْل المغرب ولا نرى بعضنا إلَّا في اليوم التالي، باستثناء يومي الخميس والجمعة، اللذيْن كانا يومي نهاية الأسبوع، بدلًا من يومَي الجمعة والسبت حاليًّا، فنذهب مع أصدقاء الحيِّ الآخرِين إلى الهدا، أو الشفا، أو وادي ليَّة، أو الرُدّف، أو غدير البنات، أو غير ذلك من رئات الطَّائف الجميلة، التي يتنفَّس أهلُها من خلالها هواءً نقيًّا، وعَبِقًا بروائح الورود مع مختلف السُيَّاح والزُوَّار من كافَّة مناطق المملكة.

ولصديقي المُتوفَّى -يرحمه الله- فُوبيا كُنَّا نراها ظريفةً ومُضحِكةً، بينما يراها هو جِديَّة وليس فيها دُعابة أو مِزاح، إذ كان أهلُ الطَّائف ينامُون صيفًا في أسطح بيوتهم المكشوفة؛ بحثًا عن نسائم الهواء العليل، وتوفيرًا لطاقة كهرباء المُكيِّفات والمراوح التي كانت رخيصةَ التكلفة، وليس غالية كما هو الحال الآن، وكان هو قبل النوم يُطيل مشاهدة السُّحُب المُتحرِّكة في جوِّ السماء، والسُّحُب أحيانًا تتراكم بجوار وفوق بعضها، وقد تتشكَّل على هيئة تُشبه وجوه الآدميين، أو باقي المخلوقات لثوانٍ قليلة قبل تحرُّكها وافتراقها عن بعضها، وكان هو يخاف منها، ويشكو لوالديْه ويطلب منهما النوم في غرفته، وقد يوافقان على طلبه، وقد يطلبان منه أنْ يُغمض عينيه، أو ينام على جنبيه تلافيًا لمشاهدة السُّحُب، ولكن هيهات.. هيهات، ففُوبياه شديدة عليه، ويأتيني في الصباح قائلًا: (بغيت أتجنَّن من السُّحُب) حتَّى كَبر وأصبحت الفُوبيا حكاية يحكيها لأولاده وأحفاده -رحمه الله، وأدخله فسيح جنَّاته-.

وصدق الشَّاعر حين قال:

يرحلُ الصِّحَابُ كأنَّهم حلمٌ مَضَى

والموتُ حقٌّ ولكنَّ النَّفسَ تأبَى

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!