كتاب

أبوجلمبو (2)

في الثقافة الشعبية، يتردّد اسم «أبوجلمبو» كلما ذُكِر نموذج المدير الذي لا يُدير شيئًا، بل «يتمظهر» بالإدارة.. إنه شخصية ساخرة، لكنها مأخوذة من واقع يراه الناس يوميًا في بعض المنظمات الإدارية.

لماذا أصبحت تلك الشخصية أيقونة لأسلوب إداري غارق في «الاستعراض»، وفارغ من المضمون؟.


هو لقب مُركَّب يُطلق بسخرية في بعض الأحيان على المدير الذي يُحب الكراسي الدوّارة؛ أكثر من الحركة الفعلية، كثير الظهور وقليل الأثر، يُكثر من المصطلحات الإنجليزية، ويُقلِّل من القرارات الفعلية، يصرف الميزانيات على الاستعراضات، وليس على تطوير الفريق، يهوى الاجتماعات ويُجيد التصوير معها، لكن لا يتابع ما بعدها، بمعنى آخر، هو تمثال إداري يرتدي البدلة، ويصطنع الابتسامة، ويعشق أن يُسمّى «القائد».

لكن لماذا انتشرت شخصية «أبوجلمبو» في العديد من المنظمات؟ هناك عدة أسباب تهيئ بيئة خصبة لنشوء هذا النوع من الشخصيات، مثل ضعف المساءلة، فحين يغيب التقييم الحقيقي المبني على النتائج، تُفتح الأبواب للمظاهر لتحل محل الجوهر، ثقافة الصوت العالي والمكتب الكبير في بعض البيئات، يربط النجاح بالشكل لا بالفعل، الخلط بين الإدارة والسلطة.. «أبوجلمبو» لا يرى الإدارة كوسيلة لتمكين الفريق، بل كوسيلة لإثبات الوجاهة.


ولعل السمات الجوهرية لـ»أبوجلمبو» تتمثل في لغة خشبية، فهو يتحدث بلغة مليئة بالتكرار والمصطلحات، لكن لا أحد يعرف ماذا يقصد، ولا حتى هو!، الاجتماع من أجل الاجتماع أسبوعيًا، يجتمع مع فريقه لمدة ساعة يُوزّع كلامًا عامًا، ثم يُنهي اللقاء بصورةٍ جماعية، شعارات لا منجزات، ينشط على المنصات الاجتماعية، يضع صورته مع كل زيارة، ويكتب «تشرَّفت بلقاء كوادرنا الرائعة»، لكن داخليًا الكوادر منهكة ومهمّشة، والخطط إلى الأدراج، يطلب من الموظفين خططًا وإستراتيجيات، لكنها لا تُنفَّذ، تُطبع، تُجلّد، وتُوضع على الرف بجانب الشهادات.

أما عن التأثير الفعلي لأبي جلمبو، لا يُضْحِك فقط، بل يُكلِّف المنظمة كثيراً، حيث هناك تراجع في الولاء الوظيفي، وارتفاع في معدل الاستقالات، وضعف الأداء الحقيقي، وانتشار ثقافة «التمثيل الإداري» بدلًا من العمل الإداري، والأخطر، مَن يصعد في السلم الوظيفي أكثر ممَّن يعمل بصدق، لأن المظهر للأسف غالبًا ما يُكافأ أكثر من الجهد.

والمهم، كيف نُعالج ظاهرة أبي جلمبو؟ إذ لابد من ثقافة قيادية جديدة، تُقيّم القادة على أساس الأثر، لا بعدد الاجتماعات.. وإدارة بالنتائج، لربط الأداء الإداري بمؤشرات حقيقية، وتمكين الكفاءات الحقيقية.

أبوجلمبو ليس مجرد شخصية ساخرة، بل مرآة لواقع إداري مُشوّه في بعض المنظمات، وقد يكون الحل ليس فقط في الضحك عليه، بل في مواجهته بأسلوب عمل مختلف، شفَّاف، ومبني على الأثر الحقيقي.

«ليست الإدارة أن تجلس خلف مكتبك.. بل أن تقود من حيث يقف الناس، وتسمع قبل أن تتكلم».

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!