كتاب

دَوَاهٍ

هي جمع «داهية»، وأحد معانيها هو الأمور الشديدة الكُبْرى، واشتهرت الكلمة بالمثل العاميِّ الجميل «يَا مَا تحتَ السَّواهِي دواهِي».. خلال الشهر المقبل -بمشيئة الله- ستدخل القضيَّة الفلسطينيَّة مرحلةً تاريخيَّةً جديدةً.. حيث تعتزم مجموعة من الدُّول الكُبْرى، ومنها فرنسا، وبريطانيا، وكندا، الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.. والاعتراف البريطاني بالذَّات ينفرد عن غيره؛ لأنَّ الدور التاريخي لبريطانيا كان جوهريًّا لمأساة فلسطين، والدول العربيَّة والإسلاميَّة، والعالم.. ويعتقد معظم النَّاس أنَّ القضيَّة بدأت بوعد «بلفور» المشؤوم.. هو الإعلان الرسمي المكتوب في 117 كلمة، على صفحة واحدة، من وزير الخارجيَّة البريطاني «آرثر بلفور»؛ لممثِّل الجالية اليهوديَّة في بريطانيا اللورد «روث تشايلد»، بتاريخ 9 نوفمبر 1917، فمهَّد لتغيُّرات كارثيَّة في عالمنا.. حيث كان الدور البريطاني فيه «دواهٍ»؛ لأن خلفية المؤثرات على التدخل البريطاني لإنشاء الكيان، بدأت قبل الوعد بمئات السنين، وسأبدأ بموضوع الحجِّ.. والمقصود هنا هو الزيارات الدينيَّة من أكثر من ألف سنة من بريطانيا، والعديد من الدول الأوروبيَّة للقدس الشَّريف، بالذَّات خلال فترة عيد الفصح، الذي يأتي في شهر أبريل من كلِّ عام.. وكان الاهتمام بالحجِّ والحجَّاج ملموسًا؛ لدرجة أنَّه مهَّد لإنشاء العديد من المعاملات البنكيَّة تاريخيًّا، حيث كانت تُسلَّم الأموال في بريطانيا، ليستلمها الحجَّاجُ في القدس، أو عند عودتهم إلى ديارهم بعد بضعة أشهر.. ومهَّدت أنشطة الحجِّ -أيضًا- لقيام ترتيبات حماية عسكريَّة، تحوَّلت إلى مليشيات منظَّمة عبر الدروب من بريطانيا لفلسطين.. وجاءت بعدها الحملات الصليبيَّة؛ لتدعم العلاقة العقائديَّة والسياسيَّة بالقدس.. بدءًا بالحملة الصليبيَّة الأُولى عام 1099، إلى الحملة السابعة عام 1248، وكلها احتوت على أنشطة على مستويات مختلفة، تشمل المواطنين العاديِّين، والطبقة الأرستقراطيَّة، ورجال الدِّين، والفرسان المسلَّحِين، ووصولًا إلى الأمراء، والملوك الإنجليز، وعلى رأسهم ريتشارد «قلب الأسد»، الذي ترك عرشه في إنجلترا لفترة؛ ليُحارب في فلسطين.. وهناك المزيد، فقد جاءت جهود ترجمة التوراة والإنجيل من العبريَّة واللاتينيَّة إلى اللغة الإنجليزيَّة في عام 1538، عندما أمر الملك هنري الثامن بضرورة توفير كتابهم المقدَّس بلغة سهلة في كلِّ كنيسة إنجليزيَّة عبر البلاد، وبدأت بعدها حملة ترجمة واسعة النطاق؛ لتوفير النسخة الإنجليزيَّة السلسة بدلًا من النسخ العبريَّة واللاتينيَّة المعقَّدة.. واستمرَّت العلاقة بفلسطين بعد سيطرة الإمبراطوريَّة العثمانيَّة على فلسطين عام 1516..

وكانت السياسة البريطانيَّة ترى أهميَّة موقع فلسطين؛ للسيطرة على بعض من أهم المكتسبات البريطانيَّة -آنذاك- حيث قناة السويس من الغرب، وأراضي العراق من الشرق، وكانا بوابتي الإمبراطوريَّة إلى الشرق. ومن الأنشطة المهمَّة كانت إنشاء القنصليَّات الأوروبيَّة في القدس، وعلى رأسهم القنصليَّة البريطانيَّة.. وكان صراع القوى العظمى «العثمانيَّة، والبريطانيَّة، والفرنسيَّة» حادًّا، وكانت فلسطين في الإطار الجيوسياسي محوريَّة في ذلك الصراع.. وتبلور ذلك في حرب القرم بين تركيا وبريطانيا وفرنسا من جانب، وروسيا من جانب آخر.. ثم في الحرب العالميَّة الأُولى، والوعد المشؤوم.


* أمنيـــــــة:

خلفية الدعم البريطاني لقيام الكيان الصهيوني، لم تبدأ بوعد بلفور، ففيها «دواهٍ» تشمل الحجَّ، والمليشيات، والحملات الصليبيَّة، وترجمة كتابهم المقدَّس، وأنشطة القناصل في القدس، وصراع القوى العظمى، وهذه خلفيَّة مهمَّة أتمنَّى معرفتها لمَن يرغب في فهم الصورة للتغيُّرات المتوقَّعة خلال الشهر المقبل، وهناك المزيد في مقالات مقبلة -إنْ شاءَ اللهُ-، وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة