كتاب

خلف الستار: عقول الظل وقيادة اقتصاد العالم

حين نُمعن النظر في المشهد العالمي الراهن، ونُحلل القمم والمؤتمرات الدوليَّة، فقد نعتقد بأنَّ ما يُعلن عنه هو وحده مَن يُحدد مسار الأمم ومصائر الشعوب، ولكن مَن يربط بين الأحداث المتشابكة، سيُدرك أنَّ هناك قوى أُخْرى تُدير دفة العالم، تُعرف بـ»عقول الظل»، وهي منظومة متكاملة تُشكِّل النموذج المعاصر للهيمنة، وتتغلغل في شرايين الاقتصاد الدولي، كوسيلة مُطلقة للتحكم والسيطرة.

هذه القوة التي تُعرف بـ»عقول الظل» لا تنظر إلى الاقتصاد بوصفه مجالًا لتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، أو أداة لرفع مستوى المعيشة، بل تراه ساحةً واسعةً للهيمنة، ويحدث ذلك عبر أدوات بالغة التعقيد، تمتد بالسيطرة المُحكمة على أسواق المال العالميَّة، عبر البورصات الكُبرى. وتموضع «عقول الظل» يظهر بوضوح في الشركات العابرة للقارات، كالشركات التكنولوجية والأمن السيبراني.


لم تكن المصارف يومًا مجرد خزائن لأموال الشعوب والدول، بل هي مؤسسات تُصنع فيها السياسة وتُشكَّل المصائر الاقتصادية، وهذا الفهم العميق قادهم إلى التغلغل في أهم معاقل القوة النقديَّة، ويُعد تأسيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1913 شاهدًا على هذه الاستراتيجيَّة، فلقد شارك في تأسيسه رجال مال، ومصرفيون كبار، ممَّا منحهم سلطة تُحدد معدلات الفائدة وأسعار الدولار، وتُؤثر بذلك على الاقتصادات النامية، واليوم يُعتبر الدولار أداة سياسية بامتياز تُستخدم لفرض العقوبات الاقتصادية على دول بعينها، أو لضخ السيولة في أماكن مختارة، أو لسحبها من أخرى، وهو ما يؤكد هيمنته كعملة احتياطية رئيسة.

يُضاف إلى ذلك ظاهرة «القطاع المصرفي الموازي» أو الظل المصرفي، الذي أصبح كيانًا ماليًّا عملاقًا خارج نطاق الرقابة المصرفية التقليدي، حيث تُشير تقديرات ستاندرد آند بورز جلوبال إلى أنَّ هذا القطاع احتفظ بحوالى 63 تريليون دولار من الأصول المالية حول العالم بنهاية عام 2022، وهذا النظام غير المنظم يعطي «عقول الظل» مساحة واسعة للمناورة والاستثمار، بعيدًا عن أعين الحكومات والمنظمات الدولية.


في السنوات الأخيرة فوجئنا بظاهرة العملات الرقميَّة المشفرة؛ للتحرر من سيطرة البنوك المركزية والحكومات، ويرى البعض أن هذه العملات الرقمية وسيلة جديدة لإعادة تركيز النفوذ في أيدي شركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية الكُبرى التي تستثمر بكثافة في البنية التحتية لهذه التقنيات، ففي عام 2024، تجاوزت القيمة السوقية للعملات المشفرة 2.5 تريليون دولار أمريكي، ومعظم هذه القيمة مُركزة في عملات قليلة تُسيطر عليها كيانات كُبرى.

وقد لاحظنا تزايد الاعتماد على وكالات التصنيف الائتماني الكُبرى مثل فيتش، وستاندرد آند بورز، وموديز، فقرار خفض تصنيف ائتماني لدولة ما من قبل هذه المؤسسات العالمية، قد يُحدث هزات اقتصادية عنيفة، خاصة وأنَّ خفض التصنيف يساهم في رفع تكلفة الاقتراض بمليارات الدولارات، ويدفع الدول المجبرة على الاقتراض إلى خيارات اقتصادية تُملى عليها من الخارج، وهذه الوكالات تشكل جزءًا رئيسًا من منظومة «عقول الظل» من خلال قدرتها على التأثير في تدفقات رأس المال العالمية.

وأخيرًا وليس آخرًا، فهذا المقال هدفه قراءة مختلفة للمشهد العالمي في محاولة لرؤية الخيوط التي تُحرك الدمى في مسرح الاقتصاد العالمي، فليس الهدف أنْ نُدرك وجود هذه القوى فحسب، بل نشر الوعي الذي يُعد أول خطوة نحو عالم لا يخضع لهيمنة «عقول الظل»، وفي هذا الإطار يجدر بنا الإشارة إلى أن المملكة لا تترك نفسها لأهواء هذه الكيانات، وهذا واضح من رؤية المملكة 2030 وتنويع الاستثمارات؛ لتحقيق مستقبل أفضل ومزدهر لشعوبنا.

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
«الصحبة يا رسول الله»
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
;
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
الاختبارات وذاكرة البيوت
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
الكرة.. لعبة المساكين
;
تحت مظلَّة السعودة
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
;
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة