إن نظرية أفعال الكلام هي واحدة من أهم النظريات في فلسفة اللغة، وتأسست هذه النظرية على يد الفيلسوف البريطاني جون أوستن في خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً في كتابه الشهير كيف نفعل أشياء بالكلمات، ثم طورها من بعده تلميذه الفيلسوف الأمريكي جون سيرل، وكانت الكرة الفلسفية التي حرّكت هذه النظرية بسيطة وعميقة في آنٍ واحد.
إن اللغة ليست مجرد أداة لوصف العالم أو نقل الأنباء، بل هي أداة للفعل وتغيير الواقع، فقبل أوستن، كان الفلاسفة يركزون فقط على الجمل الخبرية التي يمكن الحكم عليها بأنها صادقة أو كاذبة، وجاء أوستن ليقول: إن هناك جُملاً لا يمكن وصفها بالصدق أو الكذب لأنها لا تصف شيئاً، بل تُنشئ واقعاً جديداً بمجرد النطق بها.
ومثاله، عندما يُقال خلف المأذون «زوّجتك موكلتي»، هو لا يصف حالة، بل ينشئ علاقة زوجية فعلية، وعندما يقول القاضي: «حكمت المحكمة ببراءة المتهم»، الكلمة هنا هي الفعل الذي يطلق سراح السجين، وعندما تقول لصديقك: «أعدك بأن أزورك غداً»، أنت لم تخبره بخبر، بل ألزمت نفسك بفعل الوعد.
وقسّم جون أوستن أي عبارة ننطق بها إلى ثلاثة مستويات أو أفعال تحدث في نفس اللحظة، الفعل اللفظي، وهو الفعل الحرفي لإنتاج الأصوات والكلمات والقواعد النحوية، مثال، نطق كلمات «الجو حار هنا»، والفعل المتضمن في القول، وهو القصد أو القوة التوجيهية الكامنة وراء الكلام ما الذي تنوي فعله بالقول؟، وفي مثال الجو حار هنا، قد يكون الفعل المتضمن هو الطلب، أرجوكم افتحوا النافذة أو شغلوا التكييف، والفعل الناتِج عن القول، وهو الأثر أو النتيجة الفعلية التي يحدثها الكلام في نفس السامع وسلوكه، مثال، أن يقوم أحد الحاضرين فعلياً بفتح النافذة استجابةً لكلامك.
ثم جاء جون سيرل لاحقاً ووضع تصنيفاً منظماً للأفعال المتضمنة في القول، وقسمها إلى خمسة أنواع أساسية، الإخباريات، وهي أفعال تلتزم بصدق القضية سواء بتأكيد أو تقرير أو وصف، كأن تقول الأرض تدور حول الشمس، والتوجيهيات، وهي أفعال تهدف إلى جعل السامع يقوم بفعل ما؛ سواء أمر، أو طلب، أو نصيحة، فتقول له أغلق الباب خلفك، والالتزاميات، وهي أفعال تُلزم المتكلم نفسه بفعل شيء في المستقبل، سواء وعد، أو قسم، أو تهديد، مثل أقسم أنني سأقول الحقيقة، والتعبيريات، وهي أفعال تعبر عن الحالة النفسية أو العاطفية للمتكلم، سواء شكر، أو تهنئة، أو اعتذار، فتقول آسف جداً على التأخير، والإعلانيّات أو الأحكام، وهي أفعال تغيّر الواقع المباشر؛ بمجرد النطق بها تتطلب سلطة معينة عادةً، مثل القول: أعلن افتتاح الجلسة، أو أنت مطرود.
هذه النظرية غيّرت وجهة دراسة اللغة، لأنها نقلت الاهتمام من بنية الجملة القواعدية إلى وظيفة الجملة في السياق الاجتماعي، ففهم الكلام لم يعد مجرد فتح القاموس؛ بل أصبح يتطلب فهماً مَن المتحدث ومَن السامع وما هي السلطة التي يملكها المتحدث؟ وما هو السياق الذي قيلت فيه الكلمة؟. تُذكِّرنا هذه النظرية في كل يوم بأن كلماتنا ليست مجرد أصوات تذروها الرياح، بل هي طاقة ومسؤولية؛ فنحن في كل حوار نخوضه، لا نتحدث فحسب، بل نصنع أفعالاً، ونترك آثاراً، ونعيد تشكيل العالم من حولنا كلمةً تلو أخرى.
(لكي ينجح فعل الكلام، يجب أن يصدر من الشخص المناسب، في السياق المناسب، وبالنية الصادقة المستوفية للأعراف الاجتماعية).


