كتاب
كـــــــروة
تاريخ النشر: 29 ديسمبر 2025 22:26 KSA
الكروةُ هي الأجرةُ. أيَّام زمان كانت مكتوبةً على سيَّارات الأُجرة قبل انتشار مصطلح «التاكسي». ولو تأمَّلت في أهميَّة هذه السيَّارات، ستجد أنَّها تُشكِّل أحد مكوِّنات هويَّات المدن الكُبْرى. انظر مثلًا في سيَّارات الأجرة في لندن، أو نيويورك، أو طوكيو ودورها الذي يتعدَّى تقديم خدمة الحركة بداخل المدينة، فهو يعكس تاريخ النَّقل بأبعاده المختلفة. ولن تجد مثيلًا لسيَّارات الأجرة في باريس؛ لأنَّ تاريخها يحتوي على قصَّة فريدة لا مثيل لها عالميًّا. فعند قيام الحرب العالميَّة الأُولى في أغسطس 1914، كان احتلال باريس يُمثِّل «الجائزة الكُبْرى» للقوَّات الألمانيَّة في بداية الحرب. المردود الأكبر كان سياسيًّا، وعسكريًّا، وحضاريًّا، ومعنويًّا لألمانيا بشكلٍ عامٍّ، وللجيش الألمانيِّ بشكلٍ خاصٍّ. وكان أيضًا من الإثباتات الجوهريَّة أنَّ ألمانيا تستطيع أنْ تنجز أحد المستحيلات العسكريَّة بالتفوُّق على جبهتين: فرنسا في الغرب، وروسيا في الشرق. وعندما تحرَّكت القوات الألمانيَّة نحو باريس بسرعةٍ هائلةٍ، أذهلت الجميع. وفي مسارها نحو الغرب، احتلَّت بلجيكا بأكملها، ودمَّرت جيشها.. يعني «مرمشت» بلجيكا على الماشي.. وعندما وصلت إلى مشارف العاصمة الفرنسيَّة، عرجت إلى جنوبها، بدلًا من الهجوم المباشر. وكان ذلك لأسباب تكتيكيَّة تشمل إعادة ضم جيوشها المختلفة، وتنظيم قواتها الهجوميَّة. ورأى قائد الجيش الفرنسي السادس فرصة دفاعيَّةً هائلةً بالهجوم على جناح الجيش الألمانيِّ؛ لإضعاف جانبه، ولكنَّه كان بحاجة للمزيد من القوَّات المنقولة بالقطارات من الرِّيف الفرنسيِّ. وهنا ظهرت فرصة فريدة، وهي نقل قوات فرنسيَّة من العاصمة إلى ضفاف نهر المارن على مشارف المدينة، باستخدام سيَّارات الأُجرة. وبدأت التجربة الفريدة التي استُخدمت فيها سيَّارات الكروة لنقل أكثر من ستة آلاف جنديٍّ؛ لدعم الجيش السادس؛ للهجوم على جوانب الجيش الألمانيِّ؛ لكسر محاولة احتلال باريس. وفي تاريخ 5 سبتمبر 1914 قامت أكثر من ستمئة سيارة أجرة باريسية، بنقل الجنود الفرنسيين من العاصمة إلى موقع انطلاق المعركة. وكانت معركة «نهر المارن» من كُبْرى المعارك في الحرب، حيث ساهم فيها أكثر من مليوني جنديٍّ من فرنسا وبريطانيا من جانب، وألمانيا من جانب آخر. وتُقدَّر خسائرها بأكثر من نصف مليون إنسان بين قتيل وجريح، وكانت من الانتصارات الكبرى للحلفاء. تمَّ ردع القوات الألمانيَّة، ولم تفلح في احتلال باريس. وكانت نقطة تحوُّل تاريخيَّة؛ لأنَّها كانت المرّّة الأُولى التي تساهم فيها سيَّارات الأُجرة في المعارك بطرقٍ مباشرةٍ وفعَّالةٍ. وإلى يومنا، ستجد بعضًا من سيَّارات الأُجرة التي شاركت في المعركة في متاحف فرنسيَّة. وهي من البصمات الجميلة على التَّفاني في الدفاع عن المدن.
* أمنيــــــــــة:
كتبتُ معظمَ هذا المقال بداخل سيَّارة أُجرة في شوارع مدينتي المفضَّلة «جدَّة»، ولم يكن لديَّ أيُّ شكٍّ أنَّ سائق الكروة لن يتردَّد في الدفاع عن مدينتنا لو كانت هناك حاجة إلى ذلك، وفي الواقع فهو في حالة دفاع مستمرَّة ضد التهديدات المروريَّة المتزايدة على شوارعنا. وهذا هو الحال لجميع المدن السعوديَّة والعربيَّة. أتمنَّى أنْ نتذكَّر أنَّ سيَّارات الكروة، هي أكثر بكثير من كونها أحد مكوِّنات منظومة النقل، فهي من دعائم هوية المدن -بمشيئة الله- وهو من وراء القصد.
* أمنيــــــــــة:
كتبتُ معظمَ هذا المقال بداخل سيَّارة أُجرة في شوارع مدينتي المفضَّلة «جدَّة»، ولم يكن لديَّ أيُّ شكٍّ أنَّ سائق الكروة لن يتردَّد في الدفاع عن مدينتنا لو كانت هناك حاجة إلى ذلك، وفي الواقع فهو في حالة دفاع مستمرَّة ضد التهديدات المروريَّة المتزايدة على شوارعنا. وهذا هو الحال لجميع المدن السعوديَّة والعربيَّة. أتمنَّى أنْ نتذكَّر أنَّ سيَّارات الكروة، هي أكثر بكثير من كونها أحد مكوِّنات منظومة النقل، فهي من دعائم هوية المدن -بمشيئة الله- وهو من وراء القصد.