كتاب

قهـــــــــــاوي

عندما استوردت أوروبا القهوة بكميات وفيرة من العالم العربي في مطلع القرن السادس عشر؛ كانت نقلة حضارية كبيرة لجميع الدول المعنية، وللعالم بأكمله. والموضوع كان أكبر من مجرد المشروب، لأن القهاوي غيَّرت أوروبا، والعالم بأكمله. كانت حانات الخمر في الدول الأوروبية هي إحدى أهم محاور الحياة الاجتماعية، وكانت زيارتها تبدأ من الصباح قبل البدء بالعمل. وإحدى أهم نقاط الجذب لتلك الحانات كانت جودة المياه، فالبيرة كانت إحدى أهم مصادر المياه النظيفة الصالحة للشرب، وكانت محمية بقوانين صارمة، مثل قانون نقاء البيرة الألماني عام 1516، وهو أقدم القوانين الغذائية الأوروبية. طبعاً التحدي الكبير في ذلك هو أن نسبة «المساطيل» من العمال كانت كبيرة بسبب انتشار استهلاك الكحول.

كانت المقاومة الأوروبية للقهوة شديدة في البداية، لأنها جاءت من الشرق، ومن العالم الإسلامي بالذات. ولم تهدأ الحملات السلبية ضد شرب القهوة، إلى أن أجازها البابا «كليمنت الثامن» عام 1605 شخصياً، وأعلن رسمياً أن لا صحة للمفهوم الرائج أنها من «مشروبات الشيطان». وعندما بدأت دور القهوة الأوروبية في الانتشار، أدرك الناس أن المشروب الصحي المنافس للبيرة كان يبعث النشاط، ويساعد على التركيز، وأن مرتادي القهاوي الأوروبية كانوا رجال فكر. القهاوي القريبة من دور العلاج كانت تتسم بالنقاشات العلمية في مجال الصحة، وتلك القريبة من الجامعات كانت لقاءات مهمة للنقاشات الأكاديمية الفكرية، وأشير هنا إلى مصطلح «الجامعة بقرش» Penny University ، بمعنى أن الذي يرغب في الحصول على التعليم العالي، يمكنه أن يحصل على ذلك بتفاريق قليلة، وهي تكلفة فنجان قهوة متواضع. والقهاوي القريبة من الكنائس كانت تتميز بالنقاشات الفلسفية الدينية. والأهم من كل ذلك أن القريبة من المراكز المالية أصبحت من مراكز تبادل الأوراق المالية، لدرجة أنها كانت منافسة للبورصة الملكية في لندن بكل ما فيها من بيئة تحتية مالية. وفي عام 1690 عندما وضعت البورصة الرسمية مجموعة قيود على العمل بسبب زيادة الشركات المتداولة من 15 إلى 150 شركة، تسبَّب ذلك في احتجاج مجموعات من رجال الأعمال، فأنشأوا السوق الجديد لتداول الأسهم في قهوة «جوناثون» اللندنية، ومنها وُلِدَت بورصة لندن للأسهم. وأما في فرنسا، فكانت قهاوي باريس من أهم المسارح لولادة الأفكار السياسية الجديدة التي ولدت الثورة الفرنسية. لقاءات القهاوي الفكرية والفلسفية تحولت لمراكز احتجاجات هائلة ساهمت مساهمة فعالة في إشعال الثورة الفرنسية عام 1789. ولم يكن دور القهاوي مقصوراً على إنجلترا وفرنسا فحسب، فقد طال معظم العواصم الأوروبية، فغيَّر بلدان أوروبا في فترةٍ قصيرة.


* أمنيـــــــــــة:

خلال قراءتك لهذا المقال، تم استهلاك أكثر من ستة ملايين فنجان قهوة حول العالم. والتفاوت الهائل في استهلاكها يعكس أوضاع البشرية، وأوجه النجاح والفشل في إدارة أمورها. أتمنى أن نتذكَّر أن القهوة في غزة بالذات تحتاج إلى وقفات تأمل. تخيَّل كمية القهوة التي تُشرب على الأنقاض الحزينة، وتخيَّل إبداعات وتدابير أهالي غزة الكرام في إيجاد الإضافات والبدائل للقهوة، وبدائل تحضيرها التي تولدها بيئة الحرب العنيفة على السكان. كان الله في عونهم، وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة