كتاب

«البطريق» الغلبان .. وحرية الاختيار!

فجأةً، في ظلِّ أحداث العالم التي «مش حتقدر تغمض عينيك»، فمن حرب روسيا وأوكرانيا، والقبض «بغمضة عين» على رئيس فنزويلا بالبجامة، وحمله وزوجته إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة، إلى تهديدات ترامب لأوروبا لأجل «جرينلاند»، ثمَّ الإعلان عن «المربك» الذي شلَّ أسلحة الدفاع الفنزويليَّة، وجعل جنودها ينزفُونَ، إلى منطقة الشرق الأوسط التي تلتهب فيها ليبيا، وسورية، والسودان، والصومال، بالمليشيات الانفصاليَّة، فيما تترقَّب المنطقة الضربة الأمريكيَّة على إيران، والعين الصينيَّة تنتظرُ التهام تايوان، إلى ثلوج روسيا، وعواصف أمريكا الثلجيَّة، وأسعار الذهب الصَّاعدة، جاعلة النَّاس محتارِينَ بين بيع وشراء، إلى أخبار فيروس «نيباه»، الذي رصدت الهند حالاته... إلخ، وفي ظلِّ هذا المشهد العالميِّ المضطرب! يتحوَّل «بطريق» غلبان في القطب الجنوبيِّ المنسي من الكرة الأرضيَّة، بعد موته بـ19 عامًا إلى «ترند عالميٍّ»؛ لأنَّه اختار طريقًا مقفرًا بالجليد وحيدًا «مستبيع حياته»! في مشهد من وثائقيٍّ قديم (لقاءات في نهاية العالم) لمخرج ألمانيٍّ!! بينما لم يشد الجماهير المتعاطفة في الترند معاني الحياة التي يتمتَّع بها مجتمعُ البطاريق، مثلًا: البطريق الذكر يهدي الأنثى حصاةً ملساةً، فإنْ قبلتها تمَّت خطبتهما، ومن ثَمَّ الزَّواج، ولم يشد الجمهور أنَّ الأنثى بعد وضع بيضتها الوحيدة، تتركها مع الذَّكر، وتذهب إلى البحر؛ كي تتغذَّى لمدَّة 65 يومًا، فيما يتلقَّف البطريقُ الذَّكرُ البيضةَ لتدفئتها بين قدميه، ويبقى صائمًا دون غذاءٍ أو شرابٍ، منتظرًا عودتها، والتي تعود إليه نفس الأنثى دون غيره، بتمييزهما بصمة صوتهما في ظلِّ مئات الأصوات للسِّرب، وبعد شهرين من صيامه، ينقص فيه نصف وزنه، تتبادل الأُنثى الدَّور لرعاية بيضتهما، ويذهب هو إلى البحر يتغذَّى -لأوَّل مرَّة- بعد صوم شهرَينِ.

هذه المعاني الجميلة في حياة البطاريق، لم تشد جماهير روَّاد التَّواصل الاجتماعيِّ حول العالم، بل مشهد اختيار البطريق طريق موته، هو ما تفاعلُوا معه، مسقطِينَ على هذا المسكين معاناتِهم ومشاعرَهم السلبيَّة، وكلٌّ منهم يغنِّي معه على ليلاه!! هناك مَن وصفه بشجاعٍ؛ لأنَّه قرَّر الرَّحيل رافضًا الخضوع للظروف المفروضة عليه، أو الحياة السَّامَّة! وهناك مَن ربطها بالانسحاب من ضجيج البشر، وتفضيل العزلة، والاكتفاء الذَّاتي! وآخرُون ربطُوه بأنَّه تمرُّدٌ على تفكير القطيع المعلَّب إعلاميًّا!! وهذه بحدِّ ذاتها تدعو للسُّخرية، إذْ كيفَ يتحوَّل البطريقُ إلى ترند عالميٍّ ما لم يكن هناك مَن ساق هؤلاء المتعاطفِينَ أساسًا إلى هذا التفاعل، ويكونوا أنفسهم جزءًا من اللعبة، وضمن القطيع في الترند العالميِّ، ولم يلتفت أحدٌ إلى ما وصفه العِلمُ بأنَّ البطاريق تستخدم المجال المغناطيسيَّ للأرض، وتمتلك بوصلةً داخليَّةً تجعلها تميِّز الاتِّجاهات، وتصرُّف البطريق كان نتيجة اضطرابٍ داخليٍّ في اتِّجاهاته، جعله يعكس طريقه عن السِّرب. إنَّ الكونَ مليءٌ بالمعاني العظيمة، والقِيم السَّامية، والأخلاق النَّبيلة، التي ملأ حيِّزَها في نفوسنا دينُنا العظيم «الإسلام»، جاعلًا «الاختيار» من المعاني العميقة، التي ترسِّخ التَّوازن الداخليَّ، حيث القدرة الإنسانيَّة على امتلاك الاختيار بين البدائل المتاحة في تيسير حياة الإنسان، وتكييف ظروفه، وتجاوز تحدِّياته، فالله تعالى خلقه، ولم يتركه جاهلًا، لقوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} فبيَّن له علوم الدُّنيا والآخرة، والخيرَ والشرَّ، ومتَّعه بحريَّةِ الاختيار والإرادة لقوله: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»، جاعلًا له العقل يُميِّز به المعاني خيرَها وشرَّها، ويختار بإرادة واعيةٍ أفعاله، والتي سيُحاسب عليها إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ.


والسُّؤال هنا: هذا الترند العالميُّ الذي لا أحسبه عفويًّا أبدًا، بل صناعة صهيونيَّة، لقياس مشاعر الجماهير عالميًّا، ومستوى سلبيتهم، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعيِّ في التَّلاعب بعواطفهم، حيث ركز تسويقه على اختيار البطريق، ولم يركز على نتيجة الاختيار وهي الموت! وكأنَّ من دفعوا الترند هدفهم التلاعب في تفكير الجماهير بدفعهم إلى «العدمية» التي تعني أنَّه لا شيء له معنى في الحياة، فيما ترفض القيم والأخلاق والدِّين -والعياذ بالله- وإلَّا لماذا يتم اجتزاء مشهد بسيط من وثائقيٍّ منسيٍّ يعود إلى عام 2007م!؟

ويبدو أنَّ من اندفعوا في تعاطف ساذج مع «البطريق»، رافضين ثقافة القطيع، كانُوا أنفسهم قطيع الترند العالمي، الذي تم تعليبه، والتلاعب من خلاله بتفكيرهم!

أخبار ذات صلة

بين التهدئة والردع.. هل تعود الحرب مع الحوثي؟
مرة أخرى.. «كن وطنيًّا غاليًا في الوطنية»
الوزير خوجة.. وقراءة واعية لمستقبل الإعلام السعودي؟
الهيئة الملكية لمكة المكرمة
;
بين حارسَي (البنك والكرة)!!
دروسٌ.. لا تُكتب في الوصف الوظيفي
العزلة الأنيقة.. وفلسفة العبور الخفيف
شركات التأمين.. وعدالة تقدير الأضرار !!
;
المشروع الرياضي السعودي.. رؤية تصنع المستقبل
التفسير في نواصي التفكير..!
أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
;
البالون لا يكبر وحده!!
كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
حلمك ينتظر شجاعتك