كتاب

الغربة.. في زمن ما بعد الحداثة

- إنَّ قسوة الحياة تجعلنا منشغلِينَ بذواتنا، مفرطِينَ في التَّركيز على مشاعرنا، وهذا يقودنا إلى القلق والانغماس في الأنا، والإفراط في الأنانيَّة. وبهذا نغفل بشكلٍ مذهلٍ عن الإشارات البسيطة التي يظهرها الآخرُونَ، ونفشل في التقاط ذبذبات مشاعرهم الواضحة، فنقعُ في سوء الفهم، والإحساس القاسي بالغُربة.

- إنَّ التشتُّت، وضعفَ الانتباه، والانشغالَ المفرطَ في الاستهلاك والاستحواذ؛ من أهم أسباب عجزنا عن تحديد معنى لحياتنا. فأحيانًا يُخيِّم علينا حزنٌ غريبٌ لا نجد له سببًا، إنَّه في الغالب حزنٌ وجوديٌّ ناتجٌ عن فقدان المعنى، وضياع الكينونة الشخصيَّة، وسط مجتمع ضاغط ومشتَّت.


- هل استيقظتَ يومًا، وشعرتَ أنَّ هناك خَطْبًا ما لا تعرفُ كيف تصفهُ؟ يهمس لك بلغةِ المشاعر أنَّكَ لا تنتمِي إلى هذا المكان، أو لذلك الزَّمان؟ وأنَّكَ هنا مجرَّد غريبٍ؟. يقول (تشيخوف): «أنت تعرفُ الجميعَ، والجميعُ يعرفُونَكَ، ومع ذلك أنتَ غريبٌ، غريبٌ ووحيدٌ».

- ومن عجائب الغربة، أنَّ النيَّة الطَّيبة، والعمل للخيرِ، لا يُسعفَانِ الإنسانَ دائمًا في توقِّي أذى النَّاس، فمهما كان قصدُه نقيًّا، يمكن أنْ يبلغه منهم جفاء يكسر خاطره، ويصله نصيبٌ من الشرِّ والتنكُّرِ لمعروفه، فيتأكَّد انطباعه بأنَّ العالم مقلوبٌ على رأسه!.


- ومعضلة المُحبِّ طلبه القُرب، فاعتياده عليه، ثمَّ إصابته بالمَلَلِ، إذ تضمحلُّ الرغبةُ تدريجيًّا بالتَّلاحم والمخالطة اللَّصيقة، وحالما تنقشعُ سحابةُ العلاقة الحميمة، يبدأ الشَّغفُ بالانحسارِ، والحبُّ في الذَّوبان. تقول الشاعرة الأمريكيَّة (كليمنتين فون راديكس): «إنَّه لأمرٌ غريبٌ جدًّا، لقد كنتَ تُحبُّنِي، والآن أنتَ مجرَّد غريبٍ يحملُ كلَّ أسرارِي».

- والعجيب الغريب أيضًا، أنَّ الإنسان لا يكاد يبدأ بفهم معاني الحياة، وكيف يعيشها؟ حتَّى يقتربَ كثيرًا من نهايتها! والمفارقة أنَّ حتَّى الموت بعدلهِ لا يُرضِي أحدًا؛ إذ يُعيد صياغة القلق في شكلٍ جديدٍ من المجهول.

- لكنَّ الشعور القاسي بالوحدة والانفصال لدى كثير من الأفراد في المجتمعات الحديثة، يمكن أنْ يتحوَّل إلى دافعٍ لبذل اللُّطف والعطف والرَّحمة؛ فنحنُ نتشارك مشاعر ومخاوف يمكن أنْ يساعدنا تفهمها واحتواؤها على التَّشافي.

إنَّ إدراك هشاشتنا المشتركة، والإحساس بنبض الألم الإنسانيِّ فينا، هو ما يمنحُ الغربةَ معناها الخلاصيَّ، ويجعل وحدتنا جسرًا خفيًّا للعودة إلى العالم، لا جدارًا يقصينا عنه.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة