كتاب

عمرانـيــــــون

تشرفتُ وسعدتُ بدراسةِ وتدريسِ العمران لأكثرَ من نصف قرنٍ. وفي دراسات المدن نجدُ شخصيَّاتٍ أحدثت -بتوفيق الله- انعطافاتٍ فكريَّةً هائلةً، غيَّرت تاريخ هذا المجال. فمن بين الأسماء اللَّامعة يبرز اسم أبي جعفر المنصور، الذي أسَّس مدينة بغداد التاريخيَّة عام 762م بتخطيطٍ دائريٍّ فريدٍ، لتغدُو إحدى أعظم مدن العالم القديم وأكبرها. كما نجد المعماريَّ العثمانيَّ «سنان أغا»، الذي أعاد تخطيط مدينة إسطنبول في القرن السادس عشر، من خلال بعضٍ من أجمل المساجد، والمنشآت المتميِّزة الأخرى. أصبحت بجوامعها، وجسورها، ومناطقها السكنيَّة، والتجاريَّة الجميلة، أشبهَ بمتحفٍ عمرانيٍّ متألِّقٍ عبر مئات السِّنين.

ولا ننسى من الغرب «البارون هوزمان» الفرنسيَّ، الذي خطَّط باريس الحديثة في القرن التاسع عشر، والسويسريَّ «لوكوربوزييه»، الذي قدَّم أفكارًا قلبت مفاهيم الكثافات البنائيَّة والسكانيَّة في القرن العشرين. ورغم براعة ما قدَّمه البشرُ في تخطيط المدن، فإنَّ بعض أروع التصاميم التي تحقِّق السَّكن المريح والهادئ نجدها في أماكن غير متوقَّعة، ومن مخلوقات ليست على البال.


من الأمثلة المُدهشة مستوطنات النَّمل الأبيض؛ فهذه المخلوقاتُ الصغيرةُ، التي لا يتجاوز حجمها غالبًا حجم آخر كلمة في هذه الجملة. تبني منشآتٍ ضخمةً قد يتجاوز ارتفاع بعضها تسعة أمتار؛ ممَّا يجعلها ناطحات سحاب نسبيًّا لإيواء مجتمعاتها العملاقة فوق الأرض وتحتها. ولأنَّها تلتهمُ الأخشاب بكميَّات كبيرة، فإنَّها تنتج ثاني أكسيد الكربون، الذي يهدِّد بيئتها الداخليَّة برفع درجة الحرارة، وتركيز هذا الغاز. وقد وهبها الله القدرة على تصميم نظام تهوية متطوِّر يكيِّف الهواء داخل الفراغات المختلفة، معتمدًا على فروق الضغط بين أجزاء البناء. إنَّها أنظمة تكييف طبيعيَّة بلا ضوضاء، ولا استهلاك للطاقة، ولا انبعاثات كربونيَّة، وغبار. سبحان الله، نفس القوانين التي ترفع أجنحة الطَّائرات بأحجامها المختلفة تحكم تدفُّق الهواء داخل هذه الممرَّات الضيِّقة. وباختصار فهي تبنِي لتستغل الفوارق في الضغط لتوجيه حركة الهواء، من مناطق الضغط العالي إلى الضغط المنخفض.

ومن الصَّعب أنْ تجد مَن ينافس النَّحل في عالم العُمران الاقتصاديِّ. كلُّ جرامٍ من الشَّمع المستخدَم في البناء، هو نتيجة جهود مذهلة وكأنَّهم يستخدمُونَ الذَّهب أو الفضَّة للبناء؛ ولذلك جاءت هندسة الخلايا السداسيَّة شديدةَ الإتقان، ورائعةَ التَّوفير، إذ تمنح أكبر الفراغات الداخليَّة باستخدام أقل كميَّة من المواد.


وبما أنَّنا نشهدُ اليوم زمن النِّزاعات العسكريَّة الضَّارية، فسنجدُ أفضل الأمثلة على شن الحروب، ثمَّ التَّعافي من آثارها في عالم النَّمل. الجيوش العملاقة المكوَّنة من مليارات النَّمل تحارب وتدمر بفعاليَّة عالية يوميًّا حول العالم، ولكنَّها تتألَّق في «عمران الحرب»، ومكوِّناته الأساسيَّة هي التَّرميم وإعادة البناء على أوسع النطاقات. وهناك المزيد من الأمثلة من عمران الكائنات المائيَّة، والطيور آتية في مقالات مقبلة -إنْ شاءَ اللهُ-.

أمنيـــــــة

إنَّ عالم العمران حافل بإبداعاتٍ شتَّى عبر التاريخ، شرقًا وغربًا، لكنَّه ليس حكرًا على البشر، فالكائنات الأخرى لها مكانة متميِّزة في هذا العالم الرَّائع. أتمنَّى أنْ تكون تلك الإبداعاتُ جزءًا من دراساتِ العمرانِ، واهتماماتِ الجميعِ، فهي تضيفُ الكثيرَ، وتذكِّرنا بنعم الله الإعجازيَّة الدَّائمة.

وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة