كتاب

لذة التخلي وحرية القلب

- جَوهرُ القوَّةِ يكمُنُ في التَّخَلِّي، في التَّخفيفِ من الثَّروةِ، من المَجدِ، من الشُّهرةِ، من العَلاقاتِ، من الأوهامِ؛ فحينَ يُلقِي الإنسانُ عن كاهِلِهِ أثقالَهَا، تَتَكشَّفُ له حُرِّيَّةٌ حقيقيَّةٌ، ويَقرُبُ أكثرَ من مَعاني الحَياةِ الأصِيلةِ.

- أحيانًا تشعُرُ أنَّ الحَياةَ أبسَطُ من كُلِّ هذا التَّعقيدِ المُزعِج، وأنَّ السَّلامةَ في التَّخَلِّي والتَّركِ، لا في الحِرصِ على الاستِحواذِ، بعد أنْ انتابَكَ النُّضوبُ، وأوشَكَ أنْ يَقضيَ عليكَ حَنينُ الفَقدِ؛ وحينَ يَذبُلُ كلُّ شيءٍ آخرَ، تَنمُو في المُقابِلِ قُدرتُكَ على التَّخَلِّي والاستِغناءِ، والرِّضا بأنْ يكونَ اتِّساعُكَ في المَخبَرِ لا في المَظهَرِ.


- وأحيانًا يَجيئُكَ ما انتَظرتَهُ عُمرًا كامِلًا مُتأخِّرًا، وقد تَغيَّرْتَ وتَغيَّرتِ الأيَّامُ، وزَهِدْتَ فيهِ ورَغِبْتَ عنهُ؛ عندَها يكونُ التَّخَلِّي ألذَّ مِن الاستِحواذِ، ويُصبِحُ فُقدانُ الأملِ أخيرًا حُرِّيَّةً. فسُبحانَ مَن يعتِقُ قَلبَكَ من أسْرِ الأُمنِياتِ، بعدَ ظنِّكَ أنَّكَ عالِقٌ مَسجونٌ، مُكبَّلٌ مأسورٌ.

- كُلَّما تَقدَّمْنا في العُمرِ، يسهُلُ علَينا أنْ نكونَ نَحنُ حَقًّا، مع قُدرتِنا على التفرُّدِ، وعيشِ الحَياةِ التي نُريدُها، والتَّخَلِّي عن الزَّيفِ الاجتِماعيِّ؛ وحينَها نَبدَأُ بالشُّعورِ بالاستِقلاليَّةِ الفِكريَّةِ دونَ اهتمامٍ بقَبولِنا لدَى الآخَرينَ.. إنَّها حالَةٌ من البَحثِ عن الأصالَةِ، والتَّخَلِّي عن الزَّيفِ وعن صُورَةِ «الأنا» أمامَ النَّاسِ، لِصالِحِ حَقيقَتِها أمامَ ضَميرِها.


- الوَعْيُ تَجرِبَةٌ شَخصيَّةٌ، والإيمانُ تَجرِبَةٌ شَخصيَّةٌ، والألَمُ تَجرِبَةٌ شَخصيَّةٌ؛ جرِّبْ وخُذْ نَصيبَكَ مِنها جَميعًا؛ هذا، وقد أمعَنتَ في الاسْتِحواذِ والتّعلُّقِ، فعانَيتَ وتألَّمتَ.. جرِّبِ التَّخلِّي والتَّركَ؛ فكَما توَرَّطتَ في الاستِنزافِ، تَعلَّمْ فَنَّ الإفلاتِ، وكما بالَغتَ في الاهتِمامِ، جرِّبْ مَذاقَ اللَّامُبالاةِ.

- ويُستَفادُ من أقوالِ العارِفينَ في شَأنِ القَلبِ السَّليمِ أنَّ أصلَهُ التَّخَلِّي والزُّهدُ، وعدَمُ التَّعلُّقِ بالخَلقِ، والمَجدُ لِمَن قَرأ قَولَهُ تعَالَى: «يُدَبِّرُ الأمرَ»، فتَركَ التَّدبيرَ لِصاحِبِهِ. يقولُ (ابنُ عطاءِ اللهِ السَّكندريُّ): «اجتِهادُكَ فِيما ضُمِنَ لكَ، وتَقصيرُكَ فِيما طُلِبَ منكَ، دليلٌ على انطِماسِ البَصيرَةِ مِنكَ».

- اهتَمَّ بِقَلبِكَ، فهو موضِعُ نَظرِ اللهِ سُبحانَهُ وتعَالَى، ومِنَ الحِكمةِ مُراقَبتُهُ وتهذيبُهُ بِخُلُوِّهِ من الحَسَدِ والغِلِّ والكراهِيَةِ والتّشبُّثِ بما لا يَبقى، والحِفاظِ عليهِ سليمًا، ثُمَّ تَحليتِهِ بِدوامِ ذِكرِهِ سُبحانَهُ والامتِنانِ لهُ؛ فالنّجاةُ في الدُّنيا والآخِرةِ بِسلامَةِ القَلبِ، على وَجهِ الاستِثناءِ والحَصرِ، وذلِك ذُروةُ التَّخَلِّي، وأصدَقُ وُجوهِ الحُرِّيَّةِ.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة