كتاب

مســــيرات

أصبحت المسيَّراتُ اليومَ في صدارة الصِّراعات المسلَّحة، من الحرب ضدَّ المدنيِّين في غزَّة، إلى حرب روسيا وأوكرانيا، ووصولًا إلى العدوانِ الغاشمِ على وطننا اليوم. ويستحقُّ تاريخ هذه الأسلحة وقفةَ تأمُّلٍ: إذ بدأت المسيَّراتُ الانتحاريَّةُ عملها خلال الحرب العالميَّة الثَّانية، حيث استخدمت ألمانيا مسيَّراتٍ قصيرةَ المدَى؛ لضربِ المُدن البريطانيَّة عام 1944، باسم V1 اختصارًا لاسم «فيرجل تونجوس وافه» أي سلاح الانتقام.

وبعد الحرب العالميَّة، لم تشهد تطوُّرات تقنية المسيَّرات الحربيَّة تغيُّراتٍ كبيرةً، على الرغم من التقدُّم الهائل في تقنيات التحكُّم، والملاحة، والدَّفع، والمواد، والوقود في عالم الطَّيران. وفي مطلع السبعينيَّات الميلاديَّة، قدَّم العالِمُ العراقيُّ الأصل، الإسرائيليُّ الجنسيَّة، إبراهيم كارم إحدى أوائل التَّصاميم لمسيَّرة متطوِّرة، فأصبحت من خياراتِ القوات الجويَّة المختلفة حول العالم. وتميَّزت بالعديد من المزايا، ومنها: انخفاض تكلفة تصنيعها وتشغيلها، وسهولة صيانتها، وطول مدَّة طيرانها. وقد استُخدمت في حروب مختلفة بطرقٍ محدودةٍ، ولكنَّ نموَّها الهائل كان في الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة، بدءًا من عام 2022، إذ عادت المسيَّراتُ الانتحاريَّةُ إلى ساحات القتال.


اشتدَّ التنافسُ بين مسيَّرات «بيرق دار» التركيَّة من الجانب الأوكرانيِّ، ومسيَّرات «شاهد» الإيرانيَّة من الجانب الروسيِّ. وقد أثبتت هذه المركبات قدراتٍ فعَّالةً ومنخفضة التَّكلفة في مجالات المراقبة، والتشويش، وضرب الأهداف، ونشر الدَّمار. ولأنَّ تكلفتها منخفضة فقد استُخدمت بأسرابٍ كبيرةٍ، كما أنَّ حجمها الصَّغير، وتصنيعها من المواد الكربونيَّة، والبلاستيكيَّة، والرغويَّة، والخشبيَّة، جعل بصمتها الراداريَّة منخفضةً جدًّا، فأصبحت جزءًا أساسًا من الأساطيل الجويَّة في تلك الحرب.

تُعدُّ مسيَّرة «شاهد 136» الإيرانيَّة الأكثر شهرةً اليوم، إذ إنَّها صغيرةُ الحجم، فيبلغ طولها حوالى ثلثي طول السيَّارة «الكامري»، وهي خفيفةُ الوزنِ، فلا يتعدَّى وزنُها الإجماليُّ ما يعادل وزن ثلاجة منزليَّة كبيرة الحجم، وتتميَّز أيضًا بتكاليفها المنخفضة، حيث يعادل سعرُها سعرَ سيَّارة صينيَّة متواضعة. وتسمح تكاليفها المنخفضة باستخدامِها بأعدادٍ كبيرة. وحيث إنَّها مسيَّرة انتحاريَّة، فالمتوقَّع أنَّ اسمَها يكون «شهيد» بدلًا من «شاهد».. بلا ضميرٍ طبعًا.


ومن الغرائبِ أنَّها استُخدمت استخدامًا واسعَ النِّطاق في الحرب الروسيَّة - الأوكرانيَّة؛ لدرجة أنَّها تُصنَّع في روسيا باسم «قيران»، بمعدَّل يصل إلى ما يفوق مئة مسيَّرة يوميًّا. ولا تزال تُستخدم في الغارات على الأهداف الأوكرانيَّة بضراوةٍ. والأغرب من ذلك أنَّ الولايات المتحدة أيضًا قامت بتقليد تصميمها باستخدام الهندسة العكسيَّة؛ لتنتج مسيَّرةً أمريكيَّة باسم «لوكاس».

أمنيــــــة

بالرغم من قدرات المسيرات المختلفة التي تحاول المئات منها أن تهاجم الأجواء السعودية، فإن قواتنا الجوية الباسلة، وأنظمة دفاعنا الجوية تبقى دائمًا مستعدة -بتوفيق الله ودعم القيادة- فتتصدى لمئات الهجمات السافرة بنجاح باهر. ويتحقَّق ذلك على مجموعة مستويات متعدِّدة وتشمل: عمليَّات المقاتلات الحديثة السعوديَّة، ومن طائرات الهيلوكوبتر المتطوِّرة المجهَّزة بأحدث الأنظمة الدفاعيَّة، ومن أنظمة الدفاع الجويِّ المتقدِّمة، وغيرها من الوسائل الحديثة المدرَّبة، وكلها تُدار برجالٍ نعتزُّ ونفتخرُ بهم. يخطِّطُونَ، ويرصدُونَ، ويدمِّرُونَ محاولات العدوان؛ لننعمَ بالأمنِ والأمانِ -بمشيئةِ اللهِ-. أتمنَّى أنْ يطمئنَ الجميعُ أنَّ مستويات الرَّدع الفعَّال للمسيَّرات ليست مجرَّد ردود فعل، بل هي إستراتيجيَّات على أعلى وأفضل المستويات العالميَّة -وللهِ الحمدُ-، وهو من وراء القصد.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة