كتاب
العقل والحماقة والفلسفة
تاريخ النشر: 29 مارس 2026 23:15 KSA
يُقرِّر (إخوانُ الصَّفاء) في رسائِلهم أنَّ العقلَ هو السَّبيلُ إلى معرفةِ عِللِ الموجوداتِ، وأسبابِ المخلوقاتِ، والنّفسِ وأحوالِها، ورأوا أنَّ التفكُّرَ في الأمورِ العقليَّةِ يحوزُ المرتبةَ العُليا من نشاطِ الإنسانِ، لكنَّهم جعَلُوا شرطَ هذهِ المعرفةِ قلبًا طاهرًا من الهَمِّ والهَوَى، وذهنًا لا يُقيِّده مذهبٌ، ولا يَعميهِ تعصُّبٌ.
ومعَ احتفائِنا بالعقلِ وابتكاراتهِ واكتشافاتهِ المُذهلة، إلَّا أنَّ (شُوبنهاور) يرى أنَّ العقلَ ليسَ مَصدرًا للأخلاقِ، بل يُمكِّننا من أنْ نُصبح أوغادًا، ونبتدعَ شرورًا لا تخطُر على بالِ الحَيوانات!. وهنا يقولُ (غُوته): «قد يحتاجُ الإنسانُ إلى عقلهِ فقط لِغرضِ أنْ يكونَ أكثرَ وحشيَّةً من أيِّ حيَوانٍ».
يبدُو أنَّ الانفِعالاتِ هي التي تقودُنا، وأنَّ العقلَ ليس إلَّا مُنظِّمًا لمسَاراتِها المُعقَّدة، وهو يَخترعُ الأوهامَ ويُبرِّرُهَا، بوصفِها وسيلةَ تكيُّفٍ للالتفافِ على الحقائقِ الصَّادمةِ! فشغفُ الإنسانِ باليقينِ قد يدفعُه -كما يُنبِّه بِرتراند راسِل وإيريك فرُوم- إلى تبنِّي أوهامًا تَعِدُه بتفسيرٍ كاملٍ للحياةِ، في مُقابلِ التخلُّصِ من عناءِ الشكِّ واللَّايقين.
لكنْ تَبقى هناكَ عقولٌ حُرَّةٌ، تسألُ، وتَشُكُّ، وتعترضُ، وتُناقشُ، ثمّ تعودُ فتُراجع قناعاتِها مِن جديد؛ عُدَّتُها في ذلكَ الشكُّ المَنهجيُّ، ونقدُ الموروثِ، والنَّظرُ المَنطقيُّ، والبحثُ المُحايدُ، والفلسفةُ، للاقترابِ من الحقيقةِ، واكتسابِ اليَقين. وفي هذا السِّياق، يَرَى الفيلسوفُ اللَّاهوتيُّ (سبينوزا) أنَّه لا تعارضَ بينَ الدِّينِ والفلسفةِ، وأنَّ الوحيَ متَّفقٌ مع العقلِ، فهُما ينشدانِ غايةً واحدةً، ويسعيَانِ وراءَ غرضٍ مُشتركٍ هو سعادةُ الفردِ والمُجتمعِ.
لكنَّ العقلَ إذا وعَى أكثرَ ممَّا يحتملُ، وأفرطَ في الإدراكِ، اضطربَ توازنُه، وأصبحَ أسيرًا لأسئلةٍ لا يبدُو أنَّ لها أجوبةً، وكان في حاجةٍ إلى أوقاتِ تَجاهُلٍ وترفيهٍ، أو سُكونٍ للصَّلاةِ أو التأمُّل، يُعيدُ فيها ترتيبَ فوضاهُ الدَّاخليَّة.
وبالعودةِ إلى (إخوانِ الصَّفاء) فهُم يَعدُّون الفلسفةَ أشرفَ الصِّناعاتِ بعد النُّبوةِ، وهيَ تشتركُ مع الدِّينِ في أصلٍ واحدٍ وهو تهذيبُ النَّفسِ وإصلاحُها، والارتقاءُ بِها، ويرونَ أنَّ وديعةَ العقلِ قد انتقَلتْ إلى الفلاسفةِ والعارِفِينَ؛ فهُم ورثةُ الأنبياءِ، وما أندرَ هؤلاءِ في زمنِ ضَجيجِ الحَماقاتِ، وتوَارِي المنطقِ والعَقلانيَّةِ، فالعَقلُ في سوقٍ كهذه كالبِضاعةِ الكاسِدَة، وكقولِ الإمام عليٍّ بن أبي طالبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «الحُمقُ داءٌ لا يُداوَى، ومَرضٌ لا يَبرَأ».
ومعَ احتفائِنا بالعقلِ وابتكاراتهِ واكتشافاتهِ المُذهلة، إلَّا أنَّ (شُوبنهاور) يرى أنَّ العقلَ ليسَ مَصدرًا للأخلاقِ، بل يُمكِّننا من أنْ نُصبح أوغادًا، ونبتدعَ شرورًا لا تخطُر على بالِ الحَيوانات!. وهنا يقولُ (غُوته): «قد يحتاجُ الإنسانُ إلى عقلهِ فقط لِغرضِ أنْ يكونَ أكثرَ وحشيَّةً من أيِّ حيَوانٍ».
يبدُو أنَّ الانفِعالاتِ هي التي تقودُنا، وأنَّ العقلَ ليس إلَّا مُنظِّمًا لمسَاراتِها المُعقَّدة، وهو يَخترعُ الأوهامَ ويُبرِّرُهَا، بوصفِها وسيلةَ تكيُّفٍ للالتفافِ على الحقائقِ الصَّادمةِ! فشغفُ الإنسانِ باليقينِ قد يدفعُه -كما يُنبِّه بِرتراند راسِل وإيريك فرُوم- إلى تبنِّي أوهامًا تَعِدُه بتفسيرٍ كاملٍ للحياةِ، في مُقابلِ التخلُّصِ من عناءِ الشكِّ واللَّايقين.
لكنْ تَبقى هناكَ عقولٌ حُرَّةٌ، تسألُ، وتَشُكُّ، وتعترضُ، وتُناقشُ، ثمّ تعودُ فتُراجع قناعاتِها مِن جديد؛ عُدَّتُها في ذلكَ الشكُّ المَنهجيُّ، ونقدُ الموروثِ، والنَّظرُ المَنطقيُّ، والبحثُ المُحايدُ، والفلسفةُ، للاقترابِ من الحقيقةِ، واكتسابِ اليَقين. وفي هذا السِّياق، يَرَى الفيلسوفُ اللَّاهوتيُّ (سبينوزا) أنَّه لا تعارضَ بينَ الدِّينِ والفلسفةِ، وأنَّ الوحيَ متَّفقٌ مع العقلِ، فهُما ينشدانِ غايةً واحدةً، ويسعيَانِ وراءَ غرضٍ مُشتركٍ هو سعادةُ الفردِ والمُجتمعِ.
لكنَّ العقلَ إذا وعَى أكثرَ ممَّا يحتملُ، وأفرطَ في الإدراكِ، اضطربَ توازنُه، وأصبحَ أسيرًا لأسئلةٍ لا يبدُو أنَّ لها أجوبةً، وكان في حاجةٍ إلى أوقاتِ تَجاهُلٍ وترفيهٍ، أو سُكونٍ للصَّلاةِ أو التأمُّل، يُعيدُ فيها ترتيبَ فوضاهُ الدَّاخليَّة.
وبالعودةِ إلى (إخوانِ الصَّفاء) فهُم يَعدُّون الفلسفةَ أشرفَ الصِّناعاتِ بعد النُّبوةِ، وهيَ تشتركُ مع الدِّينِ في أصلٍ واحدٍ وهو تهذيبُ النَّفسِ وإصلاحُها، والارتقاءُ بِها، ويرونَ أنَّ وديعةَ العقلِ قد انتقَلتْ إلى الفلاسفةِ والعارِفِينَ؛ فهُم ورثةُ الأنبياءِ، وما أندرَ هؤلاءِ في زمنِ ضَجيجِ الحَماقاتِ، وتوَارِي المنطقِ والعَقلانيَّةِ، فالعَقلُ في سوقٍ كهذه كالبِضاعةِ الكاسِدَة، وكقولِ الإمام عليٍّ بن أبي طالبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «الحُمقُ داءٌ لا يُداوَى، ومَرضٌ لا يَبرَأ».