منتدى

لماذا نكتب؟

لماذا نكتب؟
نكتب لأنَّ في داخلنا أشياء لا تُقال بصوتٍ مسموعٍ، هناك مشاعر وأفكار حين نحاول نطقها تتبعثر وتفقد جزءًا من معناها، لكنَّها حين تُكتب تأخذ وقتها لتتشكَّل وتقترب أكثر من حقيقتها الكتابة ليست ترفًا عابرًا، بل فعل نجاة خيط رفيع يمسكنا حين نشعر أننا نقترب من السقوط في هوَّة الصَّمت.

نكتب لأنَّ العالم في داخلنا أوسع من العالم حولنا، في الذاكرة مشاهد، وفي الروح انطباعات صغيرة، قد لا يراها أحد لكنَّها بالنسبة لنا مكتملة التفاصيل، وحين نكتب نشعر أنَّنا نفتح نافذة لهذا العالم الخفي، نسمح له أن يتنفس ويرى النور. الكتابة ليست مجرد نقل أفكار إلى الورق بل اكتشاف لها أحيانًا لا نعرف ما نفكر فيه حقًا إلَّا عندما نراه مكتوبًا أمامنا.


يقول موراكامي إنَّ الكتابة تشبه الحفر في أعماق النفس كأنَّك تنزل إلى بئر داخلي لتخرج بما تجده هناك. وهذه الصورة على بساطتها تختصر جوهر التجربة فالكاتب لا يصنع مادته من فراغ بل يستخرجها من طبقات روحه كل نص هو رحلة غوص، وكل جملة حجر يُرفع من قاع لم يمس من قبل.

الكتابة أيضًا نوع من العزلة لكنَّها ليست عزلة الوحدة المؤلمة، بل تلك المساحة الهادئة التي نجلس فيها مع أنفسنا دون أقنعة في عالم صاخب مليء بالمطالب والتوقعات تمنحنا الكتابة غرفة خاصة لا يدخلها أحد يمكننا فيها أن نكون صادقين تمامًا ضعفاء إن أردنا، أقوياء إن أردنا أو حتى متناقضين.


يقول عنها بوكوفسكي اذا لم تكن مضطرًا للكتابة فلا تكتب؛ لأنَّ الكتابة الحقيقية تخرج من الإنسان كما يخرج الدم من الجرح. في هذه القسوة صدق عظيم، فالكتابة ليست قرارًا عقلانيًّا بقدر ما هي حاجة وجوديَّة. هناك من يعيشون جيدًا دون أنْ يكتبوا، وهناك من يشعرون أنَّهم يختنقون إنْ لم يفعلوا. ربما لأنَّ الكتابة تمنحنا وهم السيطرة في حياة لا نتحكم بمعظم تفاصيلها، ففي النص نحن مَن يقرر البداية والنهاية، الألم والانفراج، الخسارة والانتصار.

هي أيضًا شكل من أشكال العلاج، هناك آلام لا تحتاج دواءً بقدر ما تحتاج اعترافًا صادقًا مع النفس، القلق يصبح أقل غموضًا حين يتحوَّل إلى كلمات، والفوضى الداخلية تنتظم عندما نكتبها. الكتابة لا تزيل الحزن دائمًا، لكنَّها تمنحه شكلًا يمكن احتماله كأنَّنا نقول لأنفسنا أنا أراك أنا أفهمك ولن أتركك تضيع.

وفي عالمٍ صاخبٍ مليء بالمطالب والتوقعات تمنحنا الكتابة مساحة هادئة نجلس فيها مع أنفسنا دون أقنعة، الورق لا يحاكمنا بل يحتوينا. هو رفيق الذاكرة، وأرشيف المشاعر، والخريطة التي توثق تحولاتنا عبر الزمن حين نعود إلى نصوص قديمة، لا نقرأ كلمات فقط، بل نستعيد نسخًا سابقة من أنفسنا أشخاصًا كنَّا هم يومًا ما.

في النهاية، نحن لا نكتب لأنَّ لدينا إجابات بل لأنَّ لدينا أسئلة، لا نكتب لأنَّنا أقوياء دائمًا بل لأنَّنا نحاول أنْ نفهم ضعفنا، نكتب لنجد توازنًا بين النور والظَّلام داخلنا.

نكتب لأنَّ الكتابة ببساطة تشبهنا.

أخبار ذات صلة

حجٌ آمن.. في وطن الأمان
حجٌ آمن.. في وطن الأمان
ناسك في حرم الحرف!
ناسك في حرم الحرف!
كن لنفسك... لا للآخرين
كن لنفسك... لا للآخرين
بين الحضور المؤقت والأثر الدائم
بين الحضور المؤقت والأثر الدائم
;
حي النزهة... الواجهة الأولى لمطار جدة
حي النزهة... الواجهة الأولى لمطار جدة
تركي العجمة.. نجاح لا تصنعه الإثارة بل المهنية
تركي العجمة.. نجاح لا تصنعه الإثارة بل المهنية
أنسنة التعامل
أنسنة التعامل
مركز الحوكمة والدعم الهندسي الوطني
مركز الحوكمة والدعم الهندسي الوطني
;
فحص المخدرات والأمراض النفسية ما قبل الزواج
فحص المخدرات والأمراض النفسية ما قبل الزواج
إدمان الدليفري
تحديات كبيرة في انتظار "الأمين الجديد"
تحديات كبيرة في انتظار "الأمين الجديد"
جهود جليلة وتفانٍ مستمر
جهود جليلة وتفانٍ مستمر
;
حين يصبح الانتظار سكينة
حين يصبح الانتظار سكينة
لماذا عرفة؟
لماذا عرفة؟
المملكة والحج ملحمة تنظيم تُبهر العالم
المملكة والحج ملحمة تنظيم تُبهر العالم
مراهنات إعلامية.. ومنافسات رابحة
مراهنات إعلامية.. ومنافسات رابحة