كتاب

كي نفهم التوجهات السياسية.. علينا فهم الجغرافيا

الجغرافيا محورٌ رئيسٌ في تحديد التوجُّهات السياسيَّة والتكوين البشريِّ، إنَّها تحدِّد بأنْ تكون هذه الدولة قويَّةً، وتلك الدولة هشَّةً، وليست مجرَّد خرائط وحدود بريَّة ومائيَّة، أو فقط استعراض لمساحة الصحارى والجبال والسواحل، كما درسناها منذُ سنواتٍ في المدارس، بل هي ركائزُ إستراتيجيَّة في بناء خطط الدُّول الإستراتيجيَّة وتحدِّد سياساتها، وتوجُّهاتها، ونفوذها، وحجم تأثيرها العالميِّ، وتكون أيضًا سببًا في الأزمات والصراعات التي تعيشها، وبلا شك الثروات الطبيعية التي تمتلكها الدول تعتبر مطمعًا سياسيًّا لدى غيرها، كما أنَّها مصدرٌ لتأثيرها، والأمر نفسه بالنسبة للجغرافيا، فما بالكم حين تكون الجغرافيا والثروات في مكان واحد؟ إنَّهما يجعلان الدول العالميَّة يسيل لعابها، وتجعل هذه المناطق الغنيَّة بالثروات والطبيعة الجغرافيَّة هدفًا للصراعات والأزمات والحيل الإستراتيجيَّة للاستحواذ عليها، أو تقليل نفوذها، وهذا تمامًا ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، والعمق الإفريقي، فإنَّ ثرواتهما النفطيَّة والمعدنيَّة وجغرافيَّتهما التي تتمتع بها عددٌ من الدول كدول الخليج، ومصر، والأردن، والسودان، واليمن، وجيبوتي، والصومال بشكل رئيس، يجعل المنطقتَين هدفًا لاصطناع الصِّراعات والأزمات، حيث تمتلك منافذ بحريَّة، وتطلُّ على ممرَّات مائيَّة حيويَّة تُعتبر شرايين العالم الاقتصاديَّة؛ ممَّا يجعل هذه الدول في مرمى مؤامرات تسعى إلى التَّخريب كما حدث في اليمن، والسودان، وحاولوا التَّخريب في مصرَ وفشلوا خلال ما زعموه أنه ثورات الربيع العربي، وهم يسعونَ الآن من خلال دعم المليشيات الانفصاليَّة في الصومال، أو محاولة استنزاف الدول المستقرَّة، وجرَّها إلى صراعاتٍ ليست لها علاقة بها، كما تمَّت المحاولة -وما تزال- خلال الحرب الحاليَّة، وهذا تمامًا ما تسعى له وتفعله إسرائيل، وإيران، ولسوء حظِّ الدول في المنطقتَين أنَّهم جيران لهذَين الجارَين السيِّئَين، اللَّذَين لا تردعهما عقوباتٌ، ولا قوانين دوليَّة توقفهمَا.
هذه المسألة ليست وليدة اليوم، إنَّه تاريخٌ متراكمٌ على مدى آلاف السِّنين، ولدى كافَّة الحضارات السَّابقة والحاليَّة والآتية، وما يحدث اليوم في منطقتنا (الشرق الأوسط) الذي يُعتبر رئة العالم للتنفُّس الاقتصاديِّ، وفي العمق والقرن الإفريقيِّ مثالًا حيًّا لذلك، فنحنُ نشهدُ تأثير مضيق هرمز الذي تُطلُّ عليه كلٌّ من إيران، وسلطنة عُمان كممرٍّ مائيٍّ تزداد أهميَّته لوجود دول الخليج المصدِّرة للنفط والغاز في الخليج العربيِّ؛ ممَّا يجعله شريانًا للطاقة العالميَّة، وليس هذا فحسب، فالدول التي تتمتَّع بموانئ على طرق التجارة العالميَّة تمنحها أهميَّة كبيرة تعزِّز نفوذها على عكس الدول المعزولة، الأمر نفسه في إفريقيا وهذه الحروب في السودان التي تستهدف الاستحواذ عليه وإضعافه ليست إلَّا للسيطرة على منافذ بحريَّة ستتيحها مليشيا الدَّعم السريع الإجراميَّة في حال سيطرتها لتبيعها كموانئها لكلٍّ من إسرائيل، وحليفتها إثيوبيا على البحر الأحمر، ولهذا نجد المحاولات الحثيثة لإسرائيل في دفع حلفائها لدعم المليشيات المزعزعة في الدول المطلَّة على البحر الأحمر كالسودان على شمال مضيق باب المندب، والصومال في القرن الإفريقي جنوبًا، وتدفع إثيوبيا للتشويش على مصر؛ لاستدراجها من خلال سد النهضة الإثيوبي، هكذا باختصار فالموانئ في الممرَّات المائيَّة العالميَّة مهمَّة في تشكيل سلاسل الإمداد العالميِّ، وبالتالي النفوذ السياسيِّ.

إيران جارة السوء فهمت اللعبة الجيوسياسيَّة جيِّدًا، واستخدمت جغرافيتها الداخليَّة في تخزين أسلحتها واليورانيوم المخصَّب، كما استخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط لتنتج سلاحها النووي، والذي يجب أنْ لا تمتلكه؛ لأنَّ عقلها لا يفكِّر في السَّلام، هذا ما يؤكِّده تاريخها واعتداءاتها السَّافرة على دول الخليج، والدول العربيَّة، فيما إسرائيل يتوجَّب إيقاف امتدادها في إفريقيا مع حلفائها.
أخيرًا، فهم سياسة الدول، واستيعاب توجهاتها أيًّا كانت يبدأ من الجغرافيا.

أخبار ذات صلة

بين التهدئة والردع.. هل تعود الحرب مع الحوثي؟
مرة أخرى.. «كن وطنيًّا غاليًا في الوطنية»
الوزير خوجة.. وقراءة واعية لمستقبل الإعلام السعودي؟
الهيئة الملكية لمكة المكرمة
;
بين حارسَي (البنك والكرة)!!
دروسٌ.. لا تُكتب في الوصف الوظيفي
العزلة الأنيقة.. وفلسفة العبور الخفيف
شركات التأمين.. وعدالة تقدير الأضرار !!
;
المشروع الرياضي السعودي.. رؤية تصنع المستقبل
التفسير في نواصي التفكير..!
أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
;
البالون لا يكبر وحده!!
كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
حلمك ينتظر شجاعتك