كتاب
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
تاريخ النشر: 17 يونيو 2026 22:24 KSA
بين الحين والآخر، أجدُ نفسي مدفوعًا بفضولٍ خفيٍّ لزيارة الموقع الإلكترونيِّ لجامعة «لانكاستر».. هناك حيث قضيتُ سنوات الدِّراسة، وحيث تشكَّل جزء كبير من العقل والوجدان.
كنتُ في البداية أتوقَّعُ أنْ أجدَ مكاني القديم كما تركته.. نفس الأسماء، نفس اللافتات المعلَّقة على أبواب الأقسام، نفس الهيكل الذي ألفته. ولكن لا.. شيء غريب ومدهش يحدث هناك!
كل سنتين أو أربع، أعودُ لأطلَّ من نافذة الإنترنت، فأجدُ جامعةً أُخْرى.. لا أتحدَّث هنا عن تغيير في لون الموقع، أو إعادة ترتيب للصور والروابط؛ لتبدو أكثر أناقةً. هذا هو «التَّغيير التجميلي» السَّهل الذي نجيده نحن!
ما يذهلني هناك هو زلزالٌ هادئٌ ومستمرٌّ.. تغيير في العصب والعظم، لا في الجلد والملابس. كليَّات تندمجُ بشجاعةٍ، أقسام جديدة تُولَد من رَحِم الحاجة العلميَّة، جوائز عالميَّة تلمع في مجالات بحثيَّة لم تكن تخطر على البال. تشعر أنَّك أمام كائنٍ حيٍّ يتنفَّس، يكبرُ، وينفضُ عنه غبار الأمس؛ ليلحق بغدٍ لا يرحم المتأخِّرِين.
هذه هي فلسفة التعليم العالي في بريطانيا.. وهذه هي ديدن جامعاتها، سواء كانت كبيرةً وعريقةً مثل «لانكاستر»، أو حتَّى تلك الصَّغيرة الناشئة. الحركة لا تتوقَّف؛ لأنَّ الوقوف في لغة العلم يعني التَّراجع، والرِّضا بما تحقَّق هو أُولَى خطوات الفشل، وهم يدركُونَ ذلك جيِّدًا.
ثمَّ.. أعودُ بنظري إلى مواقعنا.. إلى صروح أكاديميَّة نعرفها وتعرفنا، وربما قضينا في أروقتها عمرًا من التدريس والإدارة، أو حتَّى تخرَّجنا فيها، ونحملُ لها حبًّا كبيرًا يحتِّم علينا المصارحة.
أدخلُ لأجدَ نفس الأخبار الباردة، نفس اللِّجان التي لا تتغيَّر، نفس الأقسام التي تكلَّست وكأنَّها آثارٌ تاريخيَّةٌ، أو هياكلُ حجريَّةٌ محرَّم المساس بها، وكأنَّ عجلة المعرفة قد توقَّفت عندها تمامًا.
ماذا تغيَّر إذن؟
تغيَّر لونُ الموقع.. وتغيَّر شكلُ «اللوجو».. وربَّما واجهة الصَّفحة الرئيسة، وأسماء بعض الأيقونات.
نحنُ نغيِّر السَّتائر.. وهم يغيِّرُون أثاث العقل!
نحنُ نظنُّ أنَّ التَّغيير هو أنْ نلبسَ ثوبًا رقميًّا جديدًا فوق جسدٍ إداريٍّ لم يغادر مكانه، وهم يؤمنُونَ أنَّ التَّغيير هو إعادة هيكلة مستمرَّة، وجراحة عاجلة لاستئصال الرُّوتين، وخلق بيئة تواكب «جامعة الغد». فالزَّمنُ عندهم نهرٌ متدفِّقٌ، والزَّمن عندنا بحيرةٌ راكدةٌ.
هذه حقيقةٌ مُوجعةٌ، يجب أنْ نعيهَا ونتجرَّع مرارتها حتَّى نستطيعَ أنْ نتغيَّر حقًّا. طالما أنَّنا نخشى دمج قسم، أو إلغاء كليَّة تجاوزها الزَّمنُ، أو ابتكار مسارٍ جديدٍ يكسرُ المألوفَ، فنحنُ ندورُ في فراغٍ.
التغيير الحقيقي ليس زينة تعلق على واجهات المواقع، ولا لافتة نتباهى بها. التغيير حياة، ومن لا يتغير من الداخل.. يموت ببطء، حتَّى لو كانت واجهته تلمعُ من كثرةِ الطِّلاءِ!
كنتُ في البداية أتوقَّعُ أنْ أجدَ مكاني القديم كما تركته.. نفس الأسماء، نفس اللافتات المعلَّقة على أبواب الأقسام، نفس الهيكل الذي ألفته. ولكن لا.. شيء غريب ومدهش يحدث هناك!
كل سنتين أو أربع، أعودُ لأطلَّ من نافذة الإنترنت، فأجدُ جامعةً أُخْرى.. لا أتحدَّث هنا عن تغيير في لون الموقع، أو إعادة ترتيب للصور والروابط؛ لتبدو أكثر أناقةً. هذا هو «التَّغيير التجميلي» السَّهل الذي نجيده نحن!
ما يذهلني هناك هو زلزالٌ هادئٌ ومستمرٌّ.. تغيير في العصب والعظم، لا في الجلد والملابس. كليَّات تندمجُ بشجاعةٍ، أقسام جديدة تُولَد من رَحِم الحاجة العلميَّة، جوائز عالميَّة تلمع في مجالات بحثيَّة لم تكن تخطر على البال. تشعر أنَّك أمام كائنٍ حيٍّ يتنفَّس، يكبرُ، وينفضُ عنه غبار الأمس؛ ليلحق بغدٍ لا يرحم المتأخِّرِين.
هذه هي فلسفة التعليم العالي في بريطانيا.. وهذه هي ديدن جامعاتها، سواء كانت كبيرةً وعريقةً مثل «لانكاستر»، أو حتَّى تلك الصَّغيرة الناشئة. الحركة لا تتوقَّف؛ لأنَّ الوقوف في لغة العلم يعني التَّراجع، والرِّضا بما تحقَّق هو أُولَى خطوات الفشل، وهم يدركُونَ ذلك جيِّدًا.
ثمَّ.. أعودُ بنظري إلى مواقعنا.. إلى صروح أكاديميَّة نعرفها وتعرفنا، وربما قضينا في أروقتها عمرًا من التدريس والإدارة، أو حتَّى تخرَّجنا فيها، ونحملُ لها حبًّا كبيرًا يحتِّم علينا المصارحة.
أدخلُ لأجدَ نفس الأخبار الباردة، نفس اللِّجان التي لا تتغيَّر، نفس الأقسام التي تكلَّست وكأنَّها آثارٌ تاريخيَّةٌ، أو هياكلُ حجريَّةٌ محرَّم المساس بها، وكأنَّ عجلة المعرفة قد توقَّفت عندها تمامًا.
ماذا تغيَّر إذن؟
تغيَّر لونُ الموقع.. وتغيَّر شكلُ «اللوجو».. وربَّما واجهة الصَّفحة الرئيسة، وأسماء بعض الأيقونات.
نحنُ نغيِّر السَّتائر.. وهم يغيِّرُون أثاث العقل!
نحنُ نظنُّ أنَّ التَّغيير هو أنْ نلبسَ ثوبًا رقميًّا جديدًا فوق جسدٍ إداريٍّ لم يغادر مكانه، وهم يؤمنُونَ أنَّ التَّغيير هو إعادة هيكلة مستمرَّة، وجراحة عاجلة لاستئصال الرُّوتين، وخلق بيئة تواكب «جامعة الغد». فالزَّمنُ عندهم نهرٌ متدفِّقٌ، والزَّمن عندنا بحيرةٌ راكدةٌ.
هذه حقيقةٌ مُوجعةٌ، يجب أنْ نعيهَا ونتجرَّع مرارتها حتَّى نستطيعَ أنْ نتغيَّر حقًّا. طالما أنَّنا نخشى دمج قسم، أو إلغاء كليَّة تجاوزها الزَّمنُ، أو ابتكار مسارٍ جديدٍ يكسرُ المألوفَ، فنحنُ ندورُ في فراغٍ.
التغيير الحقيقي ليس زينة تعلق على واجهات المواقع، ولا لافتة نتباهى بها. التغيير حياة، ومن لا يتغير من الداخل.. يموت ببطء، حتَّى لو كانت واجهته تلمعُ من كثرةِ الطِّلاءِ!