كتاب

سيدة «نساء» جدة

عندما يبلغُ بالزَّوجة أنْ تكون قلبًا لزوجِها، ينظر إليها فتسره، ويأمرها فتطيعه، تلاطفه وتعاطفه، تُسعد حياته، وتُدخل السرور عليه في كلِّ وقت وحين، تتحمَّل مع زوجها أعباء الحياة، وتتقاسم معه مصائبها، وتهتمُّ بالتربية والتعليم لمَن حولها من الابناء والبنات، والأقارب، وأفراد المجتمع، فتلك سيِّدة نساء عصرها بلا شك.
مثالُ ذلك -فيما سبق- الصَّحابيَّة الجليلة الرميصاء، المرأة الأنصاريَّة التي أسلمت مبكِّرًا، فكانت من الرَّائدات في الالتحاق بالإسلام، وكان زوجُها مالك بن النضر، الذي أصرَّ على الشِّرك حتَّى مات عليه، وقد خلَّفت منه ابنًا اسمه أنس، وعندما قَدِمَ رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- المدينة، استقبلته، وقالت: يا رسولَ الله، هذا ابني أنس أُقدِّمه لكَ يخدمك طيلة عمرك، وكان عمرُه عشرَ سنواتٍ، لقد تفرَّغت لتربية ابنها أنس، ورفضت الزَّواج حتَّى يكبر قليلًا، حيث تقدَّم لها أبو طلحة، الذي طلبت منه عندما خطبها أنْ يكون مهرها الإسلام، إنْ هو رغبَ بها، ففعل، فكان مهرها أغلى مهر، وقد أنجبت منه ولدًا يُكنَّى أبا عمير، عنده نغري (طائر صغير)، وكان -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يمازحه بقوله: يا أبا عمير ماذا فعلَ النغيرُ؟ وذات مرَّة سافر أبو طلحة، وفي غيابه تُوفِّي ابنه أبا عمير، فقامت أُمُّه فغسَّلته وكفَّنته، فعندما عاد أبوطلحة وكله شوق أنْ يرى ابنه، استقبلته بكلِّ الحبِّ والرومانسيَّة، وقضت معه ليلةً ما يقضي الرَّجل مع زوجته؛ ممَّا جعلته في حالةٍ من الارتياح، بعدها سألها: كيف حال ابنِنا؟ فأجابته بأنَّه في أحسن حال وسكون، تقصد أنَّه ساكنٌ لا حِراك فيه، ثمَّ سألته يَا أبا طلحة أرأيت إنْ استعرنَا وعاءً من جيرانِنَا، ثمَّ طلبُوه، أليسَ من حقِّهم أنْ نُرجعَه لهم؟ قال: بلى. فقالت: يَا أبا طلحة، لقد أعطانا اللهُ ابننَا، ثمَّ استرجعَهُ إليه، فقال: {إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ}، وفي صبيحة اليوم التَّالي أخبر أبوطلحة، رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن ذلك، فبشَّره -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّ اللهَ باركَ لهما في ليلتهما البارحة، وفعلًا رزقهما اللهُ طفلًا آخرَ.

هذه هي الرميصاء، التي قامت على تربية ابنها أنس، ويذكر أنَّها كانت بنفسها تقوم على متابعة تعليمه وحضوره مجالس العلم، وحثه على ملازمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتَّى أصبح من أكثر الصحابة رواة للحديث، كما كانت لها -رَضِيَ اللهُ عنهَا- مبادراتُها الاجتماعيَّة والدعويَّة.
إنَّ الرميصاء قدوةٌ لكلِّ مَن تريد أنْ تكون سيِّدة نساء، ومن أولئك النِّساء اللائي اتَّخذناهَا قدوةً الدكتورة فاطمة نصيف -رحمها الله تعالى- حتَّى أطلق عليها البعضُ سيِّدة نساء جدَّة أيَّام مبادراتها الاجتماعيَّة والدعويَّة والتربويَّة.

أخبار ذات صلة

شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
;
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!
عام جديد.. ونبضات متعبة
الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة
;
الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة
رحلة الشيخ عبدالله العباسي إلى الحج
جبل عمر أيقونة التاريخ والاستثمار.. إلى أين؟
حين يصبح التسول مهارة وظيفية!
;
مَن يتذكَّر أرقام الجلوس؟!
حين يدفع الوطن أجر الألم
من منح العقل والبصيرة
من القرش الأبيض.. إلى عيش اللحظة!