كتاب
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
تاريخ النشر: 17 يونيو 2026 22:24 KSA
أثارت التحذيراتُ الأخيرةُ الصَّادرةُ من وزارة الصحَّة بشأن إيقاف بعض المرضى لأدويتهم، والاعتماد على وصفات وأنظمة غذائيَّة متداولة عبر منصَّات التواصل، تساؤلات تتجاوز وصفةً محدَّدةً، أو حالةً بعينها، إلى العلاقة المتغيِّرة بين الإنسان والمعلومة الصحيَّة، في زمن تتعدَّد فيه المصادرُ، وتتسارع فيه الرسائلُ.
ولعلَّ أوَّل ما يتبادر إلى الذِّهن، هو ذلك المريض الذي يستيقظ كلَّ يوم على جرعات دوائيَّة متكرِّرة، مواعيد طبيَّة متلاحقة، تحاليل لا تنتهي! هذا الإنسان لا يبحثُ عن المغامرة، ولا يفكِّر في مخالفة الطَّبيب، وإنَّما يبحثُ عن مخرج يخفِّف عنه جزءًا من المعاناة التي يعيشها.
من هنا تبدأ القصَّة: في كلِّ فترة يظهر مَن يقدِّم حلولًا تبدو سهلةً ومغريةً، وتنتشرُ التجاربُ الشخصيَّة على نطاقٍ واسعٍ، ويخرجُ مَن يؤكِّد نجاحها، ويتداولها آخرُون بحُسن نيَّة، وتتحوَّل مع مرور الوقت إلى قناعاتٍ لدى بعض المرضى الذين يجدُون فيها ما يتوافقُ مع رغبتهم الطبيعيَّة في التخلُّص من الألم، أو تقليل الاعتماد على الدَّواء.
هنا يبرز سؤال مهم: هل المشكلة في توفُّر المعلومة، أم في طريقة وصولها؟
إذا أردنا الحديث بإنصافٍ، فعلينا أنْ نعترف بأنَّ مستوى الوعي الصحيِّ اليوم، يختلفُ كثيرًا عمَّا كان عليه قبل سنوات، الرِّياضة أصبحت جزءًا من حياة شريحةٍ واسعةٍ من المجتمع، والصَّالات الرياضيَّة تنتشرُ في المدن والأحياء، والمماشي أصبحت حاضرةً في معظم المواقع العامَّة، مشاهد لم تكن مألوفةً بهذا الحجم قبل سنوات قليلة.
لكنَّ الصورة لا تتوقَّف عند هذا الحدِّ، فما زال هناك مَن ينساق خلف معلومات غير دقيقة، أو اجتهادات شخصيَّة يتمُّ تقديمها على أنَّها حقائق علميَّة، خاصَّةً في فضاء مفتوح، لا يعرف الحدود، ويمنح أيَّ شخصٍ القدرة على مخاطبة آلاف المتابعِين خلال دقائق معدودة، والمشكلة أنَّ المحتوى الصحيَّ المضللَ لا يصلُ إلى النَّاس في صورة تحذير، أو مخاطرة، وإنَّما يأتي -غالبًا- في هيئة تجربةٍ ناجحةٍ، أو قصَّةٍ مؤثِّرةٍ، أو شهادةٍ شخصيَّةٍ تجعل المتلقِّي أكثر استعدادًا للتَّصديق والمشاركة.
ولعلَّنا -أيضًا- أنْ ننظر إلى القضيَّة من زاوية أوسع، فالمخاطر الصحيَّة لا ترتبط بوصفةٍ غذائيَّةٍ، أو مقطع متداول فحسب، وإنَّما ترتبط بسلوكٍ إنسانيٍّ يتأثَّر بعوامل متعدِّدة، الطبيبُ يؤدِّي دوره في التَّشخيص والعلاج، والجهاتُ الصحيَّة تقدِّم الإرشادات والتحذيرات، والإعلامُ يقدِّم الرسائل التوعويَّة، فيما تبقى الأسرة جزءًا من المشهد الذي تتشكَّل داخله كثير من القناعات اليوميَّة.
وربَّما لا تكمن المسألة في ندرة المعلومة، بقدر ما تكمن في تعدُّد مصادرها، فالمتلقِّي اليوم لا يقفُ أمام مصدرٍ واحدٍ، وإنَّما أمام عشرات الرِّوايات والتَّجارب والآراء التي تتدفَّق إليه كل يوم! بعضها يستندُ إلى العلم، وبعضها يستند إلى تجربةٍ فرديَّةٍ، وبعضها لا يستندُ إلى شيءٍ سوى القدرة على الإقناع، وبين هذا كله تتشكَّل قرارات قد تكون مرتبطةً بصحَّة الإنسان وحياته.
وما يستحقُّ التوقُّف عنده، أنَّ هذه الظواهر لا تُولَد من فراغٍ، فكل موجة جديدة تجد مَن يتبنَّاها، ومَن يدافع عنها، ومَن يراهن على نجاحها، يحدث ذلك في الصحَّة، كما يحدث في مجالات أُخرى من الحياة. فكلَّما ازدادت الضغوطُ، وتعقَّدت التفاصيلُ، وارتفعت التكاليفُ، ازداد البحثُ عن الطريق الأقصر، وربَّما لهذا السَّبب تستمر بعض الأفكار في الظهور بأسماء مختلفة، وصور مختلفة، رغم اختلاف الأزمنة، وتبدُّل الوسائل، فالمشهدُ لا يتعلَّق بمعلومةٍ تنتشر فحسب، وإنَّما بحالة إنسانيَّة تتكرَّر كلَّما وجد الإنسان نفسه أمام معاناةٍ طويلةٍ، وبابٍ يعدُ بحلٍّ أسرعَ.
وقد يكون من الصعب الوصول إلى مرحلة تختفي فيها المعلومات المضللة بشكل كامل، فهذه معركة قديمة تتجدد بأدوات مختلفة، وما يتغير من وقت إلى آخر ليس الفكرة، بقدر ما هي الوسيلة التي تنتقل بها أسماء جديدة، ومنصات جديدة، وطرق مختلفة للوصول إلى الجمهور نفسه.
وربَّما لهذا السَّبب لا تتوقَّف مثل هذه القصص عن الظهور، تتغيَّر الأسماءُ، وتتبدَّل المنصَّاتُ، ويظل الإنسانُ هو الإنسان، يبحث عن الطمأنينة أينما وجدها، ويتمسَّك بما يعتقدُ أنَّه أقربُ الطُّرق إلى الشِّفاء.
* نقطة تحت السطر:
المعلومةُ الطبيَّةُ لا تُقَاسُ بعددِ المشاهداتِ، وإنَّما بسلامةِ الإنسانِ الذِي سيبنِي عليهَا قرارَهُ.
ولعلَّ أوَّل ما يتبادر إلى الذِّهن، هو ذلك المريض الذي يستيقظ كلَّ يوم على جرعات دوائيَّة متكرِّرة، مواعيد طبيَّة متلاحقة، تحاليل لا تنتهي! هذا الإنسان لا يبحثُ عن المغامرة، ولا يفكِّر في مخالفة الطَّبيب، وإنَّما يبحثُ عن مخرج يخفِّف عنه جزءًا من المعاناة التي يعيشها.
من هنا تبدأ القصَّة: في كلِّ فترة يظهر مَن يقدِّم حلولًا تبدو سهلةً ومغريةً، وتنتشرُ التجاربُ الشخصيَّة على نطاقٍ واسعٍ، ويخرجُ مَن يؤكِّد نجاحها، ويتداولها آخرُون بحُسن نيَّة، وتتحوَّل مع مرور الوقت إلى قناعاتٍ لدى بعض المرضى الذين يجدُون فيها ما يتوافقُ مع رغبتهم الطبيعيَّة في التخلُّص من الألم، أو تقليل الاعتماد على الدَّواء.
هنا يبرز سؤال مهم: هل المشكلة في توفُّر المعلومة، أم في طريقة وصولها؟
إذا أردنا الحديث بإنصافٍ، فعلينا أنْ نعترف بأنَّ مستوى الوعي الصحيِّ اليوم، يختلفُ كثيرًا عمَّا كان عليه قبل سنوات، الرِّياضة أصبحت جزءًا من حياة شريحةٍ واسعةٍ من المجتمع، والصَّالات الرياضيَّة تنتشرُ في المدن والأحياء، والمماشي أصبحت حاضرةً في معظم المواقع العامَّة، مشاهد لم تكن مألوفةً بهذا الحجم قبل سنوات قليلة.
لكنَّ الصورة لا تتوقَّف عند هذا الحدِّ، فما زال هناك مَن ينساق خلف معلومات غير دقيقة، أو اجتهادات شخصيَّة يتمُّ تقديمها على أنَّها حقائق علميَّة، خاصَّةً في فضاء مفتوح، لا يعرف الحدود، ويمنح أيَّ شخصٍ القدرة على مخاطبة آلاف المتابعِين خلال دقائق معدودة، والمشكلة أنَّ المحتوى الصحيَّ المضللَ لا يصلُ إلى النَّاس في صورة تحذير، أو مخاطرة، وإنَّما يأتي -غالبًا- في هيئة تجربةٍ ناجحةٍ، أو قصَّةٍ مؤثِّرةٍ، أو شهادةٍ شخصيَّةٍ تجعل المتلقِّي أكثر استعدادًا للتَّصديق والمشاركة.
ولعلَّنا -أيضًا- أنْ ننظر إلى القضيَّة من زاوية أوسع، فالمخاطر الصحيَّة لا ترتبط بوصفةٍ غذائيَّةٍ، أو مقطع متداول فحسب، وإنَّما ترتبط بسلوكٍ إنسانيٍّ يتأثَّر بعوامل متعدِّدة، الطبيبُ يؤدِّي دوره في التَّشخيص والعلاج، والجهاتُ الصحيَّة تقدِّم الإرشادات والتحذيرات، والإعلامُ يقدِّم الرسائل التوعويَّة، فيما تبقى الأسرة جزءًا من المشهد الذي تتشكَّل داخله كثير من القناعات اليوميَّة.
وربَّما لا تكمن المسألة في ندرة المعلومة، بقدر ما تكمن في تعدُّد مصادرها، فالمتلقِّي اليوم لا يقفُ أمام مصدرٍ واحدٍ، وإنَّما أمام عشرات الرِّوايات والتَّجارب والآراء التي تتدفَّق إليه كل يوم! بعضها يستندُ إلى العلم، وبعضها يستند إلى تجربةٍ فرديَّةٍ، وبعضها لا يستندُ إلى شيءٍ سوى القدرة على الإقناع، وبين هذا كله تتشكَّل قرارات قد تكون مرتبطةً بصحَّة الإنسان وحياته.
وما يستحقُّ التوقُّف عنده، أنَّ هذه الظواهر لا تُولَد من فراغٍ، فكل موجة جديدة تجد مَن يتبنَّاها، ومَن يدافع عنها، ومَن يراهن على نجاحها، يحدث ذلك في الصحَّة، كما يحدث في مجالات أُخرى من الحياة. فكلَّما ازدادت الضغوطُ، وتعقَّدت التفاصيلُ، وارتفعت التكاليفُ، ازداد البحثُ عن الطريق الأقصر، وربَّما لهذا السَّبب تستمر بعض الأفكار في الظهور بأسماء مختلفة، وصور مختلفة، رغم اختلاف الأزمنة، وتبدُّل الوسائل، فالمشهدُ لا يتعلَّق بمعلومةٍ تنتشر فحسب، وإنَّما بحالة إنسانيَّة تتكرَّر كلَّما وجد الإنسان نفسه أمام معاناةٍ طويلةٍ، وبابٍ يعدُ بحلٍّ أسرعَ.
وقد يكون من الصعب الوصول إلى مرحلة تختفي فيها المعلومات المضللة بشكل كامل، فهذه معركة قديمة تتجدد بأدوات مختلفة، وما يتغير من وقت إلى آخر ليس الفكرة، بقدر ما هي الوسيلة التي تنتقل بها أسماء جديدة، ومنصات جديدة، وطرق مختلفة للوصول إلى الجمهور نفسه.
وربَّما لهذا السَّبب لا تتوقَّف مثل هذه القصص عن الظهور، تتغيَّر الأسماءُ، وتتبدَّل المنصَّاتُ، ويظل الإنسانُ هو الإنسان، يبحث عن الطمأنينة أينما وجدها، ويتمسَّك بما يعتقدُ أنَّه أقربُ الطُّرق إلى الشِّفاء.
* نقطة تحت السطر:
المعلومةُ الطبيَّةُ لا تُقَاسُ بعددِ المشاهداتِ، وإنَّما بسلامةِ الإنسانِ الذِي سيبنِي عليهَا قرارَهُ.