كتاب

شكرًا

كلمة بسيطة وسهلة في نُطقها، لكنَّها كلمة عظيمة في مفهومها وقيمتها الدينيَّة والمعنويَّة والاجتماعيَّة، هذه الكلمة السهلة البسيطة، الكثير منَّا يجهل تلك القيمة العظيمة التي تحملها، كرضاء الرَّب -سبحانه-، ورضاء العباد، وتستطيع بتلك القيمة أنْ تكون سببًا في دخولنا الجنَّة، وتستطيع بما تتضمَّنه من قِيم فاضلة أنْ تبني جسورًا اجتماعيَّة بالحُبِّ والصَّفاءِ، وتهدم الأحقادَ والضَّغائن في دنيانَا وآخرتنَا، هذه الكلمة التي وردت في كتاب الله ثلاثًا وأربعين مرَّةً، إمَّا بصيغة الفرد، أو الجماعة، وهذا يدلُّ على تلك القِيمة التي تحملها، وكان ورودها في كتاب الله تعالى يختلفُ باختلاف الموقف والحالة، حيث وردت إمَّا بصيغة التَّحفيز، كما في قوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سبأ 13. وقوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة 56، وقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الأنفال 26، وقوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم 7، وقوله تعالى: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) القصص 73.
أو تكون بصيغة الثَّناء من الرَّب -سبحانه- كقوله تعالى: (نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ) القمر 35، وقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) النحل١١٤، وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل 14.

كما وردت بصيغة العتاب، كما في قوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الحج 36، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) البقرة ٢٤٣، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) الأعراف 10، وقوله تعالى: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) يونس 60، وقوله تعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) النساء 147.
ثمَّ جعل الله تعالى كلمة الشكر قيمةً فاضلةً، وعملًا صالحًا يُثاب على فعله العبد ثوابًا عظيمًا؛ كونها -أي عبارات الشكر- تنشر المحبَّة والوئام بين العباد، وتزيل ما علق بالنَّفس من ركام للحقد والضَّغينة والكراهية بين العباد؛ لذا نجدها تتكرَّر في كافَّة المناسبات والخطابات، كما هو تكررها كثيرًا في كتاب الله تعالى.

فَلمَِ لا نجعل عبارات الشكر الصادقة تكون سلوك حياة لنا؟ ولماذا لا نجعلها كقيمة فاضلة ندرس آثارها في مناهجنا الدراسية، ونبين تلك الآثار في خطبنا المنبرية، فكلمة شكرًا تُعدُّ قيمةً إنسانيَّةً تردِّدُها كلُّ الشعوب بنفس المعنى، وإن اختلفت لغاتها ولهجاتها.
فمثل هذه الكلمة الطَّيبة، أو فلنقل القِيمة الفاضلة التي تكرَّرت في كتاب الله، ونكررها في حواراتنا اليوميَّة، ولكن قد نجدها عند البعض أحيانًا لفظًا أجوفَ لا يرتبط بفعل؛ فتتحوَّل في هذه الحالة إلى عبارة نفاقٍ، أو تسوُّلٍ، أو تجمُّلٍ لا تحقِّق تلك القيمة العظيمة، بل تجلبُ الكثير من المفاسد السلوكيَّة.

أخبار ذات صلة

شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
;
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
حفل تخرج الروضة!!
عام جديد.. ونبضات متعبة
الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة
;
الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة
رحلة الشيخ عبدالله العباسي إلى الحج
جبل عمر أيقونة التاريخ والاستثمار.. إلى أين؟
حين يصبح التسول مهارة وظيفية!
;
مَن يتذكَّر أرقام الجلوس؟!
حين يدفع الوطن أجر الألم
من منح العقل والبصيرة
من القرش الأبيض.. إلى عيش اللحظة!