كتاب

سجل ثقافي اجتماعي مترابط

كثيرًا ما يقفُ الجيولوجيُّ المبتدئ أمام حجرٍ قديمٍ، يقلبه، ويسأل في فضول: متى وُضع هنا؟ ولماذا يغرق في تفاصيل هذا الحجر، وينسى أنْ يرفع رأسه ليرى الجبل؟!
هذه هي حكايتنا بالضَّبط مع الآثار الحجريَّة في الحرَّات البركانيَّة الممتدَّة في السعوديَّة. يذهب الباحثُ إلى هناك، يمسك بعدسته المكبِّرة، ويدرس موقعًا واحدًا، أو عدَّة مواقع في حرَّةٍ واحدةٍ، وينسى أنَّ هناك آلاف المواقع الأُخْرى تقف في صمتٍ، تنتظر مَن يسمع همسها الجماعي. المشكلة ليست فيما يقوله لنا موقعٍ واحدٍ، بل في تلك الجوقة الهائلة، التي تعزف لحنًا واحدًا بآلاف الحناجر الحجريَّة.

تصوَّر معي.. شريطًا أسودَ هائلًا يمتدُّ لألفِي كيلومترٍ! من حرَّة البقوم، وحرَّة حضن في الجنوب، مرورًا برهط وخيبر، ولا يتوقَّف إلَّا عند العويرض في الشمال الغربيِّ. وعلى طول هذا الامتداد المهيب، تتناثر آلاف المنشآت الحجريَّة التي تعود إلى العصر الحجريِّ الحديث. إنَّنا لا نتحدَّث عن مكان خيمة هنا، أو مصيدة هناك، بل نحنُ أمامَ واحدٍ من أضخم المشاهد الأثريَّة المتَّصلة على كوكب الأرض!
لسنوات طويلة، كنَّا ننظر إلى هذه المواقع وكأنَّها جزرٌ معزولةٌ؛ فكلُّ موقع يُدرَس وحده، وكأنَّ لا علاقة له بجاره. ولكن تقدُّم العلم، وجاءت الأقمار الصناعيَّة، ونظرنا إلى الأرض من أعلى، ويا للمفاجأة! فالحجارة لا تقفُ وحدها؛ إنَّها تمسك بأيدي بعضها بعضًا في شبكةٍ عملاقةٍ امتدَّت لآلاف السِّنين.

هل يمكن أنْ تتشابه طرق البناء عبر مسافات شاسعة صدفة؟ مستحيل!
إنَّ هذا التَّشابه العجيب، واستمرار الأسلوب الهندسي نفسه عبر آلاف الكيلومترات، يخبرنا بشيءٍ واحدٍ: نحن أمام ثقافة مشتركة. مجتمع بشري واسع تواصل أفراده، وتفاعلُوا، وبنُوا على هذه الأرض البركانيَّة عبر أجيال متعاقبة.
ويجب ألَّا ننسى أبدًا أنَّ جزيرة العرب لم تكن في تلك الأيام السحيقة كما نراها اليوم. لم تكن قاسيةً وجافَّةً، بل كانت خضراء نديَّة، تفيض بالماء والمراعي، وتهيئ بيئة مثاليَّة لتجمع النَّاس، وتحاورهم، وبناء شبكات من الحياة امتدَّت فوق بساط من الحمم البركانيَّة الباردة.
إنَّ هذه الحرات ليست مجرد سجل لجيولوجيا الأرض، وبراكين غاضبة نامت منذ زمن بعيد، بل هي سجل إنساني، ودفتر مذكرات عظيم. فهذه الحجارة السوداء الصامتة اليوم، كانت يومًا ما دافئة بأنفاس البشر، نابضة بالحركة، ومسرحًا لحياتهم ومعتقداتهم.
لقد حان الوقت؛ لكي نغلق العدسة المكبِّرة، ونفتح عيوننا على اتِّساعها؛ فلا يمكنك أبدًا أنْ تفهم كتابًا ضخمًا من قراءة صفحةٍ واحدةٍ! وعندما نجمع أوراق هذا الكتاب الحجريِّ المتناثرة، سنكتشف أنَّ الحجارة الممتدَّة عبر ألفي كيلومترٍ لا تثرثر بقصص عشوائيَّة، بل تروي قصَّةً واحدةً، قصَّة إنسان عاش في الجزيرة العربيَّة، روَّض الصَّخر، وترك لنا رسالةً. فهل قرأنَاهَا كاملةً، أم ما زلنا نقرأها صفحةً، صفحةً؟

أخبار ذات صلة

القول المُنتجب في أحبِّ مُنتخب
العلم والتعليم
البحث والابتكار في جامعة المؤسس: إستراتيجية جديدة
الحكمة
;
رجل من الشمال
أشخاص في حياتنا.. ليسوا صدفة
أبعدوهم عن المنتخب!!
الزامل.. فوق هام السحب
;
لماذا نؤجل سعادتنا؟!
التقاعد.. مت قاعد!
سؤال صغير.. يصنع اقتصاداً كبيراً
هل الثقافة منفصلة عن الأدب؟
;
هنيدة صيرفي.. حين تصبح الموهبة راية
منتخب بلا ملامح!!
جمعية الأوقاف الصحية
إعادة تعريف غاية التعليم الجامعي