كتاب

رجل من الشمال

توقَّفتُ قبل أيَّام عند مقطعٍ لرجلٍ من شمال المملكة، اعتدتُ أنْ أشاهدَ بعضَ يوميَّاته البسيطة، لا أعرفه شخصيًّا، ولم أتابعه بحثًا عن محتوى مختلف، أو أفكار استثنائيَّة، ربَّما لأنَّ ما يقدِّمه يشبهُ الحياة كما هي، دون إضافات كثيرة، رجل يتحدَّث عن أسرته وأبنائه وأيَّامه العاديَّة، وكأنَّ الكاميرا مجرَّد شاهد عابر على تفاصيل يومه.
في ذلك المقطع لم يكن يتحدَّث عن قضيَّة عامَّة، أو شأنٍ يشغل النَّاس، كان يتحدَّث عن زيارة الأقارب، حديث بسيط جدًّا، إلى درجة أنَّ كثيرِين قد يمرُّون عليه دون أنْ يتوقَّفُوا عنده، قال ما معناه: إذا ذهبتُم إلى أقاربكم فخذُوا معكم شيئًا، ولو كان يسيرًا، فبعض الناس يحتاج ولا يطلب، وبعضهم تستحي نفسه من الحديث عما ينقص..

لا أذكر تفاصيل المقطع، فالكلمات التي تخرج من الحياة تصل إلى الحياة مباشرةً، وربما لهذا السَّبب بقيت الفكرة عالقةً في الذِّهن، ليس لأنَّها جديدةٌ، وإنَّما لأنَّها جاءت من مكان بعيد عن التَّنظير، وقريب جدًّا من الفطرة.
وأنا أستمعُ إليه لم أفكِّر في الرَّجل، بقدر ما فكَّرتُ في تلك المساحات التي كانت تجمع النَّاس قديمًا دون مواعيد مُسبقة، أو مناسبات موسميَّة، كانت العلاقات تمضي بطبيعتها، كما تمضي الأيَّام. لم تكن الزِّيارة حدثًا استثنائيًّا، ولم يكن السؤال عن الأحوال يحتاج إلى مناسبة تبرِّره.

تذكَّرتُ وجوهًا كثيرةً مرَّت في حياتنا، ثم أخذتها السنواتُ إلى زوايا بعيدة، ليس بسبب خلاف كبير، ولا بسبب موقف حاد، وإنَّما لأنَّ الحياة مضت سريعًا سنة بعد أُخرى، وانشغال بعد آخر، حتى أصبحت بعض الأسماء حاضرةً في الذاكرة أكثر من حضور أصحابها في الواقع.
في المدن الكبيرة تتَّسع الشوارعُ أكثر ممَّا تتَّسع العلاقات أحيانًا؟! يزداد عدد المعارف، وتكثر وسائل التواصل، وتصبح الأخبار أسرعَ وصولًا من أيِّ وقت مضى، ومع ذلك تبقى هناك مسافات أُخرى لا تختصرها التطبيقاتُ، ولا تختصرها المكالماتُ السَّريعة.
وربما لهذا السَّبب استوقفتنِي عبارة الرَّجل عن أولئك الذين يحتاجُون ولا يطلبُون، فالحياة مليئة بأشخاص يجيدون «الصمت أكثر من الكلام»، أشخاص لا يخبرون أحدًا بما يمرون به، ولا يطرقُون الأبواب طلبًا للمساعدة، ولا يرفعُون أصواتهم بما يكفي ليلاحظهم الآخرُون، يمضون في أيامهم بهدوء كامل، وكأنَّ شيئًا لا ينقصهم.
اللافت أنَّ أجمل ما في الحديث، لم يكن الدعوة إلى المساعدة نفسها، وإنَّما الالتفات أنْ ينتبه الإنسان إلى مَن حوله، أنْ يبقى حاضرًا في حياة أقاربه وأصدقائه ومَن يعرفهم، فالكثير من الأشياء تبدأ من الانتباه قبل أنْ تبدأ من الإمكانات.
ذلك الرَّجل لم يكن يقصد أنْ يثير كلَّ هذه الأفكار. كان يتحدَّث بلغته البسيطة التي يعرفُها، ويشارك متابعيه فكرةً عابرةً كما يفعل كلَّ يوم - لكن بعض النَّاس يذكِّروننا بأشياء مهمَّة دون أنْ يشعرُوا، ليس لأنَّهم يملكُون الإجابات، وإنَّما لأنَّهم ما زالوا يحتفظُون بشيءٍ من بساطة الحياة التي فقدها كثيرُون.
ومع مرور الوقت، اكتشفتُ أنَّ أكثر ما يبقى في الذَّاكرة ليس الأحداث الكبيرة التي شغلت النَّاس أيامًا ثمَّ انتهت، وإنَّما تلك التفاصيل الصَّغيرة التي مرَّت بهدوءٍ: زيارة غير متوقَّعة، سؤال جاء في وقته، أو شخص تذكَّرك دون مناسبة. أشياء تبدُو عاديةً في ظاهرها، لكنَّها تتركُ أثرًا أطول من كثير من الأحداث الصَّاخبة.
* نقطة تحت السطر:
بعضُ النَّاس لا يقدِّمُون أفكارًا جديدةً، لكنَّهم يذكِّرونَنَا بأشياءَ جميلةٍ عرفنَاهَا يومًا، ثمَّ أخذتنَا الحياةُ بعيدًا عنهَا.

أخبار ذات صلة

القول المُنتجب في أحبِّ مُنتخب
العلم والتعليم
البحث والابتكار في جامعة المؤسس: إستراتيجية جديدة
سجل ثقافي اجتماعي مترابط
;
الحكمة
أشخاص في حياتنا.. ليسوا صدفة
أبعدوهم عن المنتخب!!
الزامل.. فوق هام السحب
;
لماذا نؤجل سعادتنا؟!
التقاعد.. مت قاعد!
سؤال صغير.. يصنع اقتصاداً كبيراً
هل الثقافة منفصلة عن الأدب؟
;
هنيدة صيرفي.. حين تصبح الموهبة راية
منتخب بلا ملامح!!
جمعية الأوقاف الصحية
إعادة تعريف غاية التعليم الجامعي