كتاب
ليست أزمة ورق.. بل أزمة نموذج
تاريخ النشر: 30 يونيو 2026 23:19 KSA
قبل أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً في عام 2002، طرحت في كتابي «الإعلام القديم والإعلام الجديد.. هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟» سؤال كان يبدو آنذاك صادماً للكثيرين. يومها انصب معظم النقاش على الورق، بينما كنت -ولا أزال- أرى أن القضية أعمق من مجرد وسيلة للنشر. واليوم، وبعد أكثر من عقدين، قرأتُ مقالاً نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» يعيد طرح الفكرة نفسها، ولكن من زاوية تاريخية مختلفة تستحق منا كثيرا من التأمل.
ينطلق المقال من تجربة الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر، ليؤكد أن ازدهار الإعلام لم يكن نتاج اختراع المطبعة أو التلغراف وحدهما، بل كان نتيجة منظومة متكاملة شملت التشريعات، والبنية التحتية، والبيئة الاجتماعية. وبعبارة أخرى، لم تكن التكنولوجيا سوى جزء من القصة، وليست القصة كلها.
هذه الفكرة تفسر جانباً مهماً من تجربة الصحف السعودية خلال العقود الثلاثة الماضية.. فعندما دخلت الإنترنت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، ثم الذكاء الاصطناعي، تعامل كثيرون مع كل موجة تقنية باعتبارها السبب المباشر لأزمة الصحافة. لكن الحقيقة أن هذه التقنيات كانت أشبه باختبار كشف لنقاط الضعف الموجودة أصلاً في النموذج الإعلامي القائم.
كمثال، اعتمد نموذج الصحافة التقليدية في المملكة على اقتصاد مختلف تماماً، يقوم على توزيع ورقي واسع، وإعلانات مطبوعة، وإيقاع يومي يتناسب مع عصر كانت فيه الصحيفة هي النافذة الأساسية للمعلومة. وعندما تغيرت البيئة الاقتصادية وسلوك الجمهور وسرعة تداول الأخبار، بقي النموذج كما هو، بينما تغير العالم من حوله.
ولهذا لم يكن تراجع الصحف مجرد هزيمة أمام الإنترنت (التكنولوجيا)، بل كان نتيجة تأخر وتردد في إعادة بناء النموذج نفسه.
وهنا تكمن أهمية الدرس الذي يقدمه تاريخ الصحافة الأمريكية، فالنماذج التي نجحت في بناء إعلام قوي، لم تعتمد على التقنية وحدها، وإنما وفرت بيئة تشريعية وتنظيمية واقتصادية ساعدت الإعلام على التطور مع كل مرحلة تاريخية. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كيف ننقذ الصحف أو كيف نحمي مهنة الصحافة، بل كيف نبني منظومة إعلامية قادرة على إنتاج صحافة ذات قيمة، وذات قدرة على الاستدامة، بغض النظر عن الوسيط؟.
وهذا السؤال يزداد إلحاحاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الأخبار. فالتحدي الجديد لا يتمثل في قدرة الآلة على كتابة الخبر والقصة، وإنما في قدرة المؤسسات الإعلامية على إعادة تعريف القيمة التي تقدمها للجمهور. فالأخبار الخام أصبحت سلعة متاحة للجميع، بينما أصبحت القيمة الحقيقية تكمن في التفسير، والتحليل، والتحقق، وبناء الثقة.
ومن هنا، أعتقد أننا بحاجة إلى الانتقال من التفكير في «تحول الصحف» إلى التفكير في «تحول النظام الإعلامي» بأكمله. فالصحيفة لم تعد مجرد مطبوعة، والمؤسسة الإعلامية لم تعد مجرد غرفة أخبار، والصحفي لم يعد مجرد ناقل للمعلومات.. لقد تغيرت الأدوار، لكن كثيراً من نماذج العمل الإعلامي لدينا لا تزال أسيرة مفاهيم القرن الماضي، حتى لو تم إلباسها رداءً عصريا صوريا.
اليوم، وبعد أكثر من عشرين عاماً، أزداد اقتناعاً بأن السؤال الحقيقي لم يكن يوماً: هل ستنقرض الصحافة المطبوعة؟ فقد كان اختفاء الوسيط أو تراجعه احتمالاً تقنياً يمكن توقعه. أما السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة فهو: هل سننجح في ابتكار نموذج إعلامي جديد يواكب العصر؟، فالتاريخ، كما تذكرنا مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، يعلمنا أن الإعلام لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما تصنعه الأفكار المنفتحة، والسياسات المرنة، والقدرة المستمرة على الابتكار.
ختاما، إذا كنا قد نجحنا في بناء منظومات عالمية في قطاعات السياحة، والترفيه، والثقافة، فلماذا لا نتعامل مع الصحافة بالمنطق نفسه.. ليس كصحف تحتاج إلى إنقاذ أو رسائل تطمح للتأثير، بل كصناعة تحتاج إلى إعادة تصميم بالكامل؟.
ينطلق المقال من تجربة الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر، ليؤكد أن ازدهار الإعلام لم يكن نتاج اختراع المطبعة أو التلغراف وحدهما، بل كان نتيجة منظومة متكاملة شملت التشريعات، والبنية التحتية، والبيئة الاجتماعية. وبعبارة أخرى، لم تكن التكنولوجيا سوى جزء من القصة، وليست القصة كلها.
هذه الفكرة تفسر جانباً مهماً من تجربة الصحف السعودية خلال العقود الثلاثة الماضية.. فعندما دخلت الإنترنت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، ثم الذكاء الاصطناعي، تعامل كثيرون مع كل موجة تقنية باعتبارها السبب المباشر لأزمة الصحافة. لكن الحقيقة أن هذه التقنيات كانت أشبه باختبار كشف لنقاط الضعف الموجودة أصلاً في النموذج الإعلامي القائم.
كمثال، اعتمد نموذج الصحافة التقليدية في المملكة على اقتصاد مختلف تماماً، يقوم على توزيع ورقي واسع، وإعلانات مطبوعة، وإيقاع يومي يتناسب مع عصر كانت فيه الصحيفة هي النافذة الأساسية للمعلومة. وعندما تغيرت البيئة الاقتصادية وسلوك الجمهور وسرعة تداول الأخبار، بقي النموذج كما هو، بينما تغير العالم من حوله.
ولهذا لم يكن تراجع الصحف مجرد هزيمة أمام الإنترنت (التكنولوجيا)، بل كان نتيجة تأخر وتردد في إعادة بناء النموذج نفسه.
وهنا تكمن أهمية الدرس الذي يقدمه تاريخ الصحافة الأمريكية، فالنماذج التي نجحت في بناء إعلام قوي، لم تعتمد على التقنية وحدها، وإنما وفرت بيئة تشريعية وتنظيمية واقتصادية ساعدت الإعلام على التطور مع كل مرحلة تاريخية. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كيف ننقذ الصحف أو كيف نحمي مهنة الصحافة، بل كيف نبني منظومة إعلامية قادرة على إنتاج صحافة ذات قيمة، وذات قدرة على الاستدامة، بغض النظر عن الوسيط؟.
وهذا السؤال يزداد إلحاحاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الأخبار. فالتحدي الجديد لا يتمثل في قدرة الآلة على كتابة الخبر والقصة، وإنما في قدرة المؤسسات الإعلامية على إعادة تعريف القيمة التي تقدمها للجمهور. فالأخبار الخام أصبحت سلعة متاحة للجميع، بينما أصبحت القيمة الحقيقية تكمن في التفسير، والتحليل، والتحقق، وبناء الثقة.
ومن هنا، أعتقد أننا بحاجة إلى الانتقال من التفكير في «تحول الصحف» إلى التفكير في «تحول النظام الإعلامي» بأكمله. فالصحيفة لم تعد مجرد مطبوعة، والمؤسسة الإعلامية لم تعد مجرد غرفة أخبار، والصحفي لم يعد مجرد ناقل للمعلومات.. لقد تغيرت الأدوار، لكن كثيراً من نماذج العمل الإعلامي لدينا لا تزال أسيرة مفاهيم القرن الماضي، حتى لو تم إلباسها رداءً عصريا صوريا.
اليوم، وبعد أكثر من عشرين عاماً، أزداد اقتناعاً بأن السؤال الحقيقي لم يكن يوماً: هل ستنقرض الصحافة المطبوعة؟ فقد كان اختفاء الوسيط أو تراجعه احتمالاً تقنياً يمكن توقعه. أما السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة فهو: هل سننجح في ابتكار نموذج إعلامي جديد يواكب العصر؟، فالتاريخ، كما تذكرنا مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، يعلمنا أن الإعلام لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما تصنعه الأفكار المنفتحة، والسياسات المرنة، والقدرة المستمرة على الابتكار.
ختاما، إذا كنا قد نجحنا في بناء منظومات عالمية في قطاعات السياحة، والترفيه، والثقافة، فلماذا لا نتعامل مع الصحافة بالمنطق نفسه.. ليس كصحف تحتاج إلى إنقاذ أو رسائل تطمح للتأثير، بل كصناعة تحتاج إلى إعادة تصميم بالكامل؟.