كتاب

آباء الفقه والقانون اليتيم

هناك فقهاء يؤسِّسون القانون، وهناك آباءٌ للفقهِ. آباءٌ لا يكتفُون بحراسة النصِّ، بل يكفلُون المدرسة، ومسائلها، ومؤسَّساتها، ومدرِّسيها وطلابها. الفقيهُ يحفظُ القاعدة حين تستقر، أمَّا الأبُ فيرعى المسألة وهي لا تزال مجهولةَ الاسمِ، بلا بيتٍ مؤسسيٍّ، ولا تقليدٍ يحميهَا.
في القانون، كما في الحياة والقبيلة، ينتسبُ المرءُ -أحيانًا- إلى مدرسة، قبل أنْ ينتسب إلى مؤسَّسة؛ إلى طريقةٍ في رُؤية المشكلة، قبل أنْ ينتمي إلى مبنى يحمل اسم جامعة، أو مركز.

في أيامٍ متقاربةٍ، فقدتُ -كما فقدَ القانونُ- رجلَين من هذا الطِّراز النَّادر.
في الشَّرق، رحل الدكتورُ محمد سليم الغزوي، الفقيهُ الدستوريُّ الأردنيُّ، وعضو المحكمة الدستوريَّة السَّابق، والعميدُ المجدِّدُ لكليَّة الحقوق في الجامعة الأردنيَّة. رجلٌ رأى الدستور ميثاقًا حيًّا للدولةِ، لا وثيقةً مغلقة في أرشيف السُّلطة.

وفي الغرب، رحل السير روي غود، مؤسِّس مركز دراسات القانون التجاريِّ CCLS في جامعة لندن - كوين ماري، وأحد آباء الفقه التجاريِّ الدوليِّ الحديث. رجلٌ جعل من القانون التجاريِّ لغةً يفهمها السوقُ، والدولةُ، والقاضِي، والمشرِّعُ في آنٍ واحدٍ.
لا أكتبُ هذا من باب الرِّثاء وحده، فقد رثاهُ كثيرُون من منظَّمات ومؤسَّسات وقامات في أنحاء العالم، بل من باب الانتساب. فأنَا من مدرسة السير روي غود، من محتواها، ومنظورها، وشجاعتها. مدرسةٌ لا ترَى التميُّز في تكرار القواعد، بل في ملاحقة المشكلات قبل أنْ تصبح مألوفةً: التمويل المركَّب، والإفلاس العابر للحدود، والضمانات، والعقود المتداخلة، والمعاملات الدوليَّة التي تسبق القانون بخطوةٍ أو أكثر.
كان روي غود أبًا لمؤسَّسة، وأبًا لمنهجٍ، وأبًا لفقهٍ عمليٍّ يعرف أنَّ القانون لا يكفي أنْ يكون جميلًا في الكتب؛ بل يجب أنْ يصلح للثقة والاستعمال، بين الدولة والمال، وبين المحكمة والمشرِِّع. ولذلك كان فقدُهُ عظيمًا، لا لأنَّه أغلق بابًا، بل لأنَّه ترك مدرسةً قادرةً على فتح أبوابٍ أصعب ممَّا واجهه هو نفسه.
واليوم يقفُ القانونُ أمام أشدِّ تحدِّياته منذ قرونٍ طويلةٍ: أنْ يُولد القرار من خوارزميَّة، وأنْ تنتقل السِّيادة إلى السَّحابة، وأنْ تصبح القدرة الحقيقيَّة على الرُّؤية والتَّصنيف بيد منصَّاتٍ لا تُنتخب، وشركاتٍ لا تُحاسَب كما تُحاسَب الدُّول.
في مقالي الأخير في مجلة الاتِّصالات الإستراتيجيَّة الصَّادرة عن مركز الناتو في ريغا، حاولتُ أنْ أُسمِّي هذا الجرح: لم يعد القانونُ الدوليُّ يفشلُ لأنَّه صامتٌ، بل لأنَّه يصلُ متأخِّرًا إلى عالمٍ سبقته خوارزميَّاته وفرضت إيقاعها. قد ترفعُ الدولةُ علمَها، لكنَّها لا تملك دائمًا مفاتيح البيانات، ولا قدرة الإنفاذ في فضاءٍ تحكمه شركاتٌ تقنيَّة عابرةُ للسِّيادة.
هنا يغدُو القانونُ مهدَّدًا باليُتم: نصوصٌ باقية، لكن بلا آباء يكفلُون نسبها إلى واقعٍ جديد.
لذلك لا نحتاج اليوم إلى فقهاء يشرحُون ما فات فقط، بل إلى آباءٍ جُدد للفقه، وللمؤسَّسات، وللقانونِ القابل للاستعمال؛ رجالٍ ونساء يرون المشكلةَ قبل أنْ تتحوَّل إلى نزاعٍ، ويكفلُون المسائل اليتيمة في القانون الدوليِّ، وفي مسائل الذكاء الاصطناعيِّ قبل أنْ يحكمنا يتمُها.
الضبطُ يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبَر.
هامش تعليميٌّ توضيحيٌّ: المقصودُ مقال الكاتب المنشور بعنوان: “The Rupture of the International Rule of Law and the Rise of Tech Sovereignty”، في مجلة Defence Strategic Communications، المجلد 17، ربيع 2026، الصادرة عن NATO Strategic Communications Centre of Excellence في ريغا، ص. 141.

أخبار ذات صلة

سيدة التراث.. وذاكرة الوطن
سقيُ الماء.. التحول عن المفهوم
ليست أزمة ورق.. بل أزمة نموذج
الدروس المستقاة من الهجرة النبوية
;
الخبالة الإلكترونية !
الوطن... دَينٌ في أعناق الأحرار
لوبيات القيادة
في وداع الصديق الغالي ورفيق العمر: يحيى الهلالي
;
حين تنهض السعودية
غسل الكعبة المشرفة شعيرةٌ إيمانيةٌ خالدة ورسالةُ توحيدٍ متجددة ورعايةٌ سعوديةٌ رائدة
الجامعات.. والرسائل المجتمعية
القدرات بين فخ الأرقام وأفق الإبداع
;
بلادنا.. والاستفادة من الميزة النسبية
الخبث الإداري!!
«تكفـــــــى»
منظومة.. تمنع أي طرف من فرض هيمنته على المنطقة