كتاب

العزلة الأنيقة.. وفلسفة العبور الخفيف

ليست المشكلةُ في كثرة النَّاس من حولنا، ولا في كثرة العلاقات التي تنسجها الحياةُ، وإنَّما في ذلك الشعور الخفيِّ الذي يتسلَّل إلينا مع مرور الوقت، فنصبح مطالبِينَ بأنْ نكون حاضرِينَ دائمًا، متاحِينَ دائمًا، ومستعدِّينَ دائمًا لتبرير غيابِنا أو صمتِنا.
ربَّما لم يكن الأمرُ كذلك في الماضي، أو لعلَّنا لم نكن نلتفت إليه. أمَّا اليوم، فقد أصبحت العلاقةُ في كثيرٍ من الأحيان محاطةً بتوقُّعات لا تنتهي. رسالة يتأخَّر الردُّ عليها، فتُفسَّر ببرودٍ، واعتذار عن مناسبة يُقرَأ على أنَّه جفاءٌ، وصمت قصير يفتح بابًا طويلًا من التَّأويل.

ومع تكرار هذه التفاصيل الصغيرة، يكتشف الإنسان أنَّه لا يرهق جسده، بقدر ما يرهق نفسه. فليست كلُّ الأعباء ماديَّة، وبعضها لا يُرَى، لكنَّه يستهلك من العمر أكثرَ ممَّا نتصوَّر.
ولذلك، حين يتقدَّم بنا العمر، لا تتغيَّر نظرتنا إلى النَّاس، بل تتغيَّر نظرتنا إلى أنفسنا. ندرك أنَّ الوقت ليس موردًا لا ينضب، وأنَّ راحة النَّفس ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى حين، وأنَّ الإنسان لا يستطيعُ أنْ يوزِّع نفسه على الجميع، دون أنْ يفقدَ شيئًا منها.

من هنا بدأتُ أفهمُ معنى العُزلة على نحو مختلف. ليست عزلة القطيعة، ولا عزلة الزُّهد في النَّاس، وإنَّما عزلة الاختيار؛ أنْ تمنح وقتك لمن يستحقه، وأنْ تعتذر عمَّا لا تطيقه دون شعور بالذَّنب، وأنْ تدرك أنَّ الصَّمت ليس دائمًا إساءةً، كما أنَّ الغياب ليس دائمًا تخلِّيًا.
ولعلَّ أجمل العلاقات هي تلك التي لا تثقل أصحابها. لا تراقبُ حضورهم وغيابهم، ولا تُحصِي الكلمات والزيارات، ولا تجعل المودَّة رهينةًً لاختبارات متكرِّرة. إنَّها علاقات تقوم على الثقة، فإذا ابتعدتَ قليلًا، بقي مكانك محفوظًا، وإذا عدتَ، لم تكن مطالبًا بشرح الطَّريق الذي أخذك بعيدًا.
لقد تعلَّمتُ من الحياة أنَّ الإنسان لا يحتاجُ إلى أنْ يكسب كلَّ مَن يمرُّون به، بقدر ما يحتاج إلى ألَّا يخسر نفسه، وهو يحاول إرضاء الجميع. فإرضاء النَّاس غايةٌ لا تُدرَك، أمَّا السَّلامُ مع النَّفس، فهو المكسبُ الذي يستحقُّ أن يُحافَظ عليه.
لهذا أصبحتُ أميلُ إلى ما أسمِّيه «العبور الخفيف». أنْ أمرَّ في حياة النَّاس بمودَّة صادقة، لا بثقل المطالب. وأنْ أترك ورائي ذِكرًا حسنًا، لا التزامات مؤجَّلة. وأنْ أقبلَ أنْ لكل إنسان ظروفه، كما أرجُو أنْ يقبل النَّاس ظروفي.
إنَّ العزلة الأنيقة ليست انسحابًا من الحياة، بل طريقة مختلفة للعيش فيها. هي أنْ تحتفظ بقلبك مفتوحًا للمحبَّة، وعقلك متحرِّرًا من الاستنزاف، وروحك قادرة على أنْ تمنح دون أن تُستنزف.
وربَّما تكون هذه إحدى الحقائق التي لا نصل إليها إلَّا متأخِّرِين: أنَّ الحياة تصبح أجمل، كلما خفت فيها المطالب، واتسعت فيها مساحة التفهم، وأصبح الإنسان أكثر تصالحًا مع حقه في الهدوء، دون أنْ يشعر أنَّه مَدينٌ لأحدٍ بتبرير كلِّ صمت، أو كلِّ غياب.

أخبار ذات صلة

مرة أخرى.. «كن وطنيًّا غاليًا في الوطنية»
الوزير خوجة.. وقراءة واعية لمستقبل الإعلام السعودي؟
الهيئة الملكية لمكة المكرمة
بين حارسَي (البنك والكرة)!!
;
دروسٌ.. لا تُكتب في الوصف الوظيفي
شركات التأمين.. وعدالة تقدير الأضرار !!
المشروع الرياضي السعودي.. رؤية تصنع المستقبل
التفسير في نواصي التفكير..!
;
أيُّها الأمينُ: اجعلها رخاءً وبلاش شِدَّة!!
أفراح وخراب بيوت!!
البالون لا يكبر وحده!!
كاوست.. جدارة الاستحقاق لا التحيز
;
شبيهة «الخلية» ليست «خلقًا» من العدم!!
حلمك ينتظر شجاعتك
شاهين - إكس
رُخْـص المهــور