في صباح يوم السبت، الموافق 3 أكتوبر 2026م، وصلنِي خبرُ وفاة أبي؛ لأعود إلى المملكة على عجلٍ، لا أكادُ أصدِّقُ ما أسمعه. انشغلتُ بترتيبات السَّفر، والحُجوزات، وتسليم السيَّارة إلى المكتب، والإسراع في التوجُّه إلى المطار.
خبرٌ صادمٌ، ومصيبةٌ كُبْرى ما سمعتُه من أهلي. انشغلتُ بإجراءاتِ السَّفر، وطوابير شحن الأمتعة، مرَّةً أصدِّقُ ما سمعتُه، ومرَّةً أكذِّبهُ. الطَّابور طويلٌ، وأنا أسابقُ الزَّمن؛ لأصل إلى مكَّة، لأرى بنفسِي، وأتأكَّد ممَّا إذا كان الخبرُ صحيحًا أم لا.
ركبتُ الطائرة، وأنا مشوَّش الفكر، لا أرى من أمامي، ولا أسمعُ ما يقوله قائدُ الطائرة. شعورٌ غريبٌ، وكأنَّني في حلمٍ أنتظر متى أستيقظُ منه، وأعود إلى حياتي الطبيعيَّة. قبل الإقلاع، اتَّصل بي أخي؛ لأساعده في صياغة رسالةِ الإخبار بالوفاة والعزاء، وهنا بدأتُ أصدِّقُ بعض الحقيقة.
هَبَطَتْ الطَّائرةُ في مطار الملك عبدالعزيز بجدَّة، بعد ساعتين من الطَّيران دون شبكة اتصال، وما إنْ هبطت حتَّى وصلنِي اتِّصالٌ من أحد أصدقاء أبِي منذ طفولته، الأستاذ أحمد، يعزِّيني بصوتٍ يرتعشُ، ويحاولُ جاهدًا أنْ يخفي نبرةَ بكائِهِ. وما إنْ سمعتُ تعازيه ومواساته حتَّى علمتُ أنَّ ما حصلَ قدْ حصل، وأجهشتُ بالبكاءِ، والحمدُ للهِ على كلِّ حالٍ.
اتَّجهتُ مسرعًا إلى مغسلة الأموات، وهناك وجدتُ أهلي، وأقاربي، وأبناء قبيلتي، والكلُّ يعزِّي ويواسِي في فقيدِنَا. زادت الصدمةُ، وتأكَّدتُ معها حقيقةَ ما حصل. سلَّمتُ على مَن سلَّمت، ودخلتُ إلى مكان غسل الجنائز، لأجدَ أخي واقفًا بجانبِ أحد التوابيت. سلَّمتُ عليه، ورفعتُ الكفنَ عن وجهِ أبي، أبي الذي قضى عمرَه في التَّربية والتَّعليم، وفعل الخير.
قبَّلتُ جبينَه الطَّاهر، وأنفَه وذقنَه وعينَيه، وسالت دموعِي، والحرقة تعتصرُ قلبي. ألمٌ لا يُوصف، ولكنَّ الحقيقة أنَّ أبي قد غادرَ الحياة، وها هو ميِّتٌ بينَ يديَّ.
أخذنَا جثمانَه الطَّاهر إلى المسجد الحرام؛ للصَّلاة عليه، ثمَّ دفنَّاهُ في مقبرة شهداء الحرم بالشَّرائع، ووارينا جسَدَه الثَّرى، واستقبلنَا عزاءَ المُعزِّين ومواساة المواسِين؛ لنعلمَ ونوقنَ، بعد ثلاثة أيَّام من العزاء، بأنَّ والدي قد ارتحلَ، وأنَّ علينا أنْ نعيش هذه الحياة صابرِين من دون أبي، والحمدُ لله أوَّلًا وآخرًا، {إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونََ}.
وممَّا يعزِّينا ويجبر خواطرنا في غيابه، ما سمعناه من ذكرٍ حَسنٍ عنه من أصدقائِه وجيرانِه وطلابِه، وما تركه من أثرٍ طيِّبٍ خلال مسيرتِه في التربية والتعليم، التي امتدَّت قرابة ثلاثين عامًا، قضاها في خدمة العلم، وتربية الأجيال. وما زالت تصلنا الشهادات الطيِّبة عن أخلاقِه وبشاشتِه وحُسن معاشرتِه، من محبِّيه، وكلِّ مَن عرفه، أو تعامل معه.
رَحِمَك اللهُ يَا أبِي، وجعلَ الجنَّةَ دارَكَ ومستقرَّكَ.