Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

لعبة الانتخابات!!

A A
تبدُو عمليَّة اختيار أعضاء المجالس، أو ترشيح القيادات التنفيذيَّة عمليَّة ديمقراطيَّة ومؤسسيَّة بحتة، تحكمها الأرقامُ، ومؤشرات الأداء، والمصلحةُ العُليا للمنشأة، إلَّا أنَّ الواقع خلف الكواليس يكشفُ غالبًا عن مشهدٍ مغايرٍ تمامًا؛ مشهد يصح وصفه بلعبة الانتخابات بالشركات، حيث تتحوَّل التحالفات، والتوازنات، والترتيبات الخفيَّة إلى اللاعب الرئيس في حسم مقاعد السلطة، وصناعة القرار.
في بيئة الأعمال، تنشأ هذه اللُّعبة نتيجة تضارب المصالح بين أطراف متعدِّدة، مثل كبار المساهمين الذين يبحثُون عن تعظيم أرباحهم، وأعضاء مجالس الإدارات المستقلِّين الذين يسعون للحفاظ على مراكزهم، والشركات التَّابعة والشَّركات الشقيقة التي يحاول كلٌّ منها انتزاع أكبر قدر من الميزانيَّات والاستقلاليّة، عندها تتحوَّل هذه الانتخابات إلى لُعبة عندما يتجاوز التنافس إطار الكفاءة المهنيَّة؛ ليصبح صراعًا يعتمد على هندسة التحالفات، وحشد الأصوات، والسيطرة على مراكز القوَّة.
إنَّ الفوز بمقعد في مجلس إدارة شركة قابضة، لا يعني وجاهة اجتماعيَّة، ومكافآت ماليَّة ضخمة فحسب، بل يعني القدرة على رسم إستراتيجيَّة المستقبل، وتعيين القيادات التنفيذيَّة، وتوجيه عقود الشراكات الإستراتيجيَّة.
وتُمارَس لعبة الانتخابات في الشَّركات عبر مجموعة من التكتيكات غير المعلنة، والتي تتطلَّب ذكاءً سياسيًّا حادًّا، وقدرة على قراءة المشهد، حيث تكون هندسة التحالفات، فنادرًا ما يدخل مرشَّح لمجلس الإدارة الانتخابات معتمدًا على أسهمه أو كفاءته فقط، تبدأ اللعبة قبل أسابيع من موعد الجمعيَّة العموميَّة من خلال اجتماعات مغلقة لتنسيق الأصوات بين المساهمين؛ لتجميع الكتل التصويتيَّة، حيث يتم التوافق على تمرير أسماء معينة مقابل مصالح متبادلة، أو وعود بتعيينات مستقبليَّة في الشركات التابعة، أو أيضًا تشكيل القوائم الموجَّهة، حيث تلجأ بعض الكتل المسيطرة إلى طرح قوائم جاهزة للمرشَّحين؛ والترويج لها بين صغار المساهمين، على أنَّها الخيار الوحيد لضمان استقرار الشركة؛ ممَّا يقلل من فرص المنافسين المستقلِّين مهما بلغت كفاءتهم، ويبقى استغلال التقييمات ومؤشرات الأداء، التي قد تستخدم لغة الأرقام والتقارير أحيانًا كأداة في اللُّعبة؛ حيث يتم تضخيم إنجازات مرشَّح مدعوم. أو في المقابل، إبراز ثغرات أداء مرشَّح آخر لإضعاف موقفه التصويتيِّ أمام الناخبِين، وأخيرًا تكتيك إدارة التوقيت، ويشمل التحكُّم في مواعيد الإعلان عن التَّرشيحات، أو صياغة شروط ترشُّح دقيقة ومفصَّلة تقصي منافسين محتملين، وتخدم أطرافًا بعينها، وهو ما يندرجُ تحت ما يُسمَّى بالتوجيه البيروقراطي للعمليَّة الانتخابيَّة.
صدقًا، سلاح لعبة الانتخابات ذو حدين؛ فإذا أديرت بمسؤولية وطموح، قد تؤدِّي إلى صعود دماء جديدة وكفاءات نوعيَّة قادرة على إحداث تحوُّل إستراتيجي؛ وتطوير حقيقي لبيئة العمل، وتنمية أصول الشركة، أمَّا إذا غلبت عليها المصالح الشخصيَّة الضيِّقة، فإنَّها تتحوَّل إلى معول هدم للمنشأة، مثل صعود أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة، وعندما تصبح المحسوبيَّة والولاء للكتلة التصويتيَّة هما معيار الفوز، يتم إقصاء الكفاءات التكنوقراطيَّة القادرة على الإدارة الفعليَّة؛ ممَّا ينعكس سلبًا على الأداء الماليِّ والتشغيليِّ، ويمكن نشوء الصراعات الداخليَّة من خلال الشلليَّة، حيث تؤدِّي الانتخابات المشحونة إلى انقسام الإدارة التنفيذيَّة، والشركات التابعة؛ إلى معسكرات وولاءات متضاربة؛ ممَّا يُعطِّل سير العمل، ويخلق بيئة طاردة للكفاءات تتميَّز بالحذر وسوء الظن، وكذلك إضعاف الرقابة. إذا نجح تحالف معيَّن في السيطرة على كامل مقاعد المجلس، يغيب الرأي المستقل، وتتحوَّل مجالس الإدارات إلى كيانات تمرِّر القرارات دون مراجعة حقيقيَّة؛ ممَّا يرفع من مخاطر الحوكمة، ويهدد مصالح المساهمين. ولتحويل لعبة الانتخابات من صراع مصلحي إلى أداة للتطوير المستمر، يجب تفعيل أدوات الحوكمة بشكل صارم لضمان انتخابات مثمرة.
(مِن حقِّك أنْ تفوز، ولكنْ ليس مِن حقِّك إِقصَائِي).
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store