قبل أيام، أُسدل الستار على مونديال كأس العالم، وتُوِّج المنتخب الإسباني باللَّقب بعد بطولة استثنائيَّة، ليُسجِّل التاريخُ اسم بطل واحدٍ من بين (48) منتخبًا شاركوا في المنافسة. تُوِّجت إسبانيا كبطلٍ سيُخلَّد في التاريخ لأوَّل بطولة تُقام بهذا العدد، بينما انطفأت أضواء (47) فريقًا، وكأنَّها لم تكن يومًا جزءًا من الحكاية!.
آلاف اللاعبين، والمدرِّبين، والأطبَّاء، والإداريِّين الذين أمضوا سنوات طويلة في الإعداد، وتحمَّلوا ضغوطًا هائلةً، تم اختزالهم في عبارة قاسية «لم يحقِّقوا شيئًا».. وهكذا هي الحياة، تسلط أضواءها على من يصل أوَّلًا، وتترك آلاف المجتهدين في الظل، مع أنَّهم بذلوا، وصبروا، واقتربوا، وربما لم تكن تفصلهم عن القمة إلَّا لحظة خاطفة!.
لقد صنعنا ثقافة لا تُمجِّد النجاح، بقدر ما تُمجِّد المركز الأول.. ثقافة لا ترى إلَّا البطل، ولا تُصفِّق إلَّا للمتصدِّر، وكأنَّ بقية درجات السلم لا قيمة لها!. هل لاحظت أنَّ الطالب الذي حصل على 90٪ يُقابل عادة بسؤالٍ محبط: «لماذا لم تحصل على العلامة الكاملة؟ رغم أنَّه متفوِّق بكل المقاييس.. والموظَّف الذي أمضى سنوات من الإنجاز يُنظر إليه أحيانًا وكأنَّه لم يحقق شيئًاً، لمجرَّد أنَّه لم يصبح مديرًا.. والكاتب الذي أثَّر في وعي الآلاف قد يُغفل ذكره؛ لأنَّه لم يحصد جائزةً أدبيَّةً مرموقةً!.
هذه ليست مجرَّد ملحوظة اجتماعيَّة، بل ظاهرة تناولها علماء الاقتصاد السلوكي وعلم النفس.. ففي كتاب «الفائز يحصد كل شيء» يُبيِّن الباحثان (روبرت فرانك)، و(فيليب كوك) كيف تذهب الشهرة والمكافآت غالبًا إلى صاحب المركز الأول، رغم أنَّ الفارق الحقيقي بينه وبين من يليه قد يكون ضئيلًا للغاية.
الأخطر أن لعنة المركز الأول لا تظلم أصحاب المراكز التالية فحسب، بل تُفسد النظرة إلى النجاح ذاته.. فقد تربَّي أجيالًا تخشى التجربة؛ لأنَّ أيَّ نتيجة دون الصدارة تُصوَّر على أنَّها فشل.. وقد تجعل البعض يحتقرون الإنجازات المتراكمة، وينتظرون الإنجاز الأسطوري الذي قد لا يأتي.. وقد تدفع بعض المبدعين إلى الانسحاب مبكرًا؛ لإدراكهم أنَّ المجتمع لا يحتفي إلَّا بصورة الفائز.
إن أسوأ ما فعلته بنا هذه الثقافة؛ أنَّها خلطت بين التفوُّق والاستحقاق، وبين الصدارة والقيمة، فليس كل من لم يحمل الكأس خاسرًا.. وليس كلُّ من لم يقف على الدرجة الأولى أقل شأنًا ممَّن اعتلاها.. فالحياة لا يديرها أصحاب المركز الأول وحدهم.. وكم من موظَّف لم يصبح مديرًا، لكنَّه كان أكثر أثرًا من مديرين كثر، وكم باحث لم يفز بجائزة، لكنَّه غيَّر مجالًا كاملًا.. وكم معلِّم لم يعرفه أحد خارج مدرسته، لكنَّه خرَّج أجيالًا صنعت الفارق في أوطانها.. وصفحات التاريخ ملأى بأشخاص لم يجلسوا يومًا على عرش الصدارة، لكنَّهم تركوا أثرًا أبقى من كثير ممَّن اعتلوه.
النجاح الحقيقي ليس أنْ تتصدَّر دائمًا، بل أنْ تمتلك شجاعة دخول المضمار، ثمَّ تستمر في التعلُّم والنموِّ والمحاولة، وأنْ تحاول أنْ تكون اليوم أفضل ممَّا كنت عليه بالأمس. أمَّا المركز الأوَّل، فهو جميل حين يأتي، لكنَّه لا ينبغي أنْ يكون المقياس الوحيد الذي نحاكم به النَّجاح، ولا أنْ يتحوَّل إلى لعنة تدفن آلاف قصص الناجحين، لمجرَّد أنَّهم لم يكن ينقصهم سوى هدف واحد.. أو خطوة واحدة، أو لحظة واحدة.


