
ليس الأمر جديدًا.. منذ بدء الخليقة وفكرة الأب المادي أو الرمزي، في المجال الفني والأدبي، تثير جدلاً كبيرًا.. فقد استعارت الفنون العالمية، ومنها الأدب، فكرة قتل الأب الرمزي الذي استولى على الجنس (الرواية)، وتربع عليه، وأصبح من الضروري احتلال مكانه حتى لا يبقى هو الوحيد المستمر في الأبدية، لأن الفنون هي رمز للأبدية والخلود.. يموت الجسد ويتحلل، ويستمر وجود الفنان والمبدع عبر التاريخ فنيًا.. مات رسامو صخور الهقار البدائية الذين نقشوا حياة المجتمع الإنساني الأول، مات الغريكو، ودولاكروا، ورامبرانت،
شيء ما في الفنون بمختلف أشكالها، غير عادل.. يمكن للفن أن يتحول إلى سلاح مقاومة في وجه الظلم والطغيان، ويمكنه أيضًا أن يكون هو نفسه أداة للقهر.. لنا في التاريخ نماذج حية للتعبير عن ذلك.. قصة كامي كلوديل وحبيبها النحات العالمي الكبير غوستاف رودان، تدفعنا إلى تأمل الظاهرة عن قرب.. في ظرف وجيز تحول رودان إلى طاغية صغير باسم الفن، ضد امرأة ناعمة خدمته عمليًا في ورشاته، وتعلمت منه الكثير أيضًا، ولم تستطع مقاومة رغباته وجنونه.. فكانت حبيبته ومعاونته.. لكن طغيان الشهرة حوّل رودان إلى إله بالمعنى
هناك بعض الأجناس تتفرد عن غيرها، بسبب الظروف الثقافية المحيطة ببلد معين، في لحظة من اللحظات التاريخية الحاسمة، أو بسبب خصوصية الجنس نفسه بحيث أنه يستجيب لمعطيات ظرفية في مكان معين دون غيره.. وجدت الرواية تجليها الكبير في ثلاث مجتمعات صناعية هي روسيا، بريطانيا، وفرنسا، وأمريكا لاحقًا، لأنها كانت تعيش شرطية معقدة لا يستطيع أي جنس روائي أن يتجاوب معها باستثناء الرواية لأنها الأكثر قدرة على استيعاب معطيات الحاضر في كل تعقداته وتحولاته المستمرة.. وتشكل اليوم الرواية العربية، على الرغم من حداثتها،
الجدل كبير حول المثقف منذ سقراط الذي دفع الثمن غاليًا لمواقفه الفكرية والفلسفية، مرورًا بأفلاطون وأرسطو، وانتهاء بغرامشي.. تظل شخصية المثقف حالة إشكالية، حول وظيفته الثقافية والاجتماعية.. ما نعرفه عن المثقف هو أنه شخصية مصطفاة، أي ليست عادية، على ظهرها رسالة لمجتمعها كيفما كانت ردة فعل الأنظمة التي تعيش في عمقها أو على هوامشها، بالخصوص إذا كانت هذه الأخيرة ظالمة وغير مصغية.. المفترض في هذه النخب أن تفكر بشكل عميق، وتقترح السبل الجديدة للتطور والمواطنة والحرية، حتى ولو كانت تعيش في دائرة صعبة..
يتعالى الفن فوق كل شيء، التاريخ، الحروب، الأحقاد، الزمن، لأنه القيمة الخالدة التي لا يقهرها الزمن والتي لا تموت أبدًا.. لكن للأسف ما تزال الذهنيات في البلاد العربية متحجرة ولا تعرف قيمة الفن وخلوده، واختراقه لدواخلنا، من خلال بيت شعر، لوحة فنية، مقطوعة موسيقية، أوبرا أو غيرها.. لا نستغرب اليوم، أن نجد من الجيل الجديد من لم ير فيلمًا واحدًا في حياته في قاعات السينما، ولا مسرحية ولا أوبرا.. فقد ربّي في الرماد وعلى الخطابات المفرغة من أية حياة، وعلى الاستهلاك السهل الذي لا يدفع إلى أي تفكير.. لا
إن المرحوم عمار بلحسن، طاقة قصصية وفنية عربية خلاقة.. شكّل ظاهرة مميزة، وخط طريقًا للقصة لم يسبقه إليه أحد.. كان منصتًا لصوت الحداثة الذي اخترق منجزه الأدبي والفكري.. فقد ارتقى بهذا الفن عاليًا لغة وموضوعات، من الحياة اليومية الوهرانية الصعبة، إلى الحب المستحيل في مدينة الممنوعات، إلى قصص البحارة والناس الذين يجهدون من أجل عيشهم.. دون أن يغفل الجانب الفني الذي يشتغل بقوة في قصصه. من هنا، كان رهانه فنيًا أكثر منه إيديولوجيًا.. جعل من اللغة والشكل هدفًا أسمى لكتاباته.. وفوزه بجوائز القصة القصيرة
احتلت قضية اللوحات السبع لبيكاسو التي اكتشفت في الجزائر في منطقة تيارت، في مدريسا المشهد الثقافي الجزائري والعربي.. ليس الاكتشاف هو الأهم ولكن غياب أي أثر لهذه اللوحات منذ 11 سنة، أي منذ اكتشافها لأول مرة.. من غير الطبيعي أن تقدم هذه اللوحات لاختبار صحتها لمخبر المتحف الوطني للفنون الجميلة ويغيب بعدها نهائيًا الحديث عنها؟ أين ذهبت؟ وتحملت مسؤولية إثارتها من جديد بحثًا عن الحقيقة فقط، وفقط، لأن ذلك يستحق، وإذا ثبتت سرقتها فذلك يعني جريمة نهب التراث الوطني وتحويله إلى سلعة.. وفنًا كبير بحجم
الساقية أو السقَّاية سميت بهذه الاسم لأنها كانت تروي الحقول المجاورة، أو العقلة كما كان يسميها كبار القرية لأنها كانت تعقل بجانبها الدواب لشرب الماء أو ساقية Lavoir أو الأفوار ربما نسبة لفورة المياه في الفترة الاستعمارية، أو اسم مؤسسها، أو حواسي سيدي بوجنان، أي الآبار.. لهذه الساقية أو عين الماء قصة كبيرة لها علاقة بالتاريخ الجزائري الفرنسي من خلال شخصيتين صنعتا تاريخ البلدين.. كانت في البداية سلسلة من الآبار ماؤها يتدفق إلى خارج الأرض.. الناس يشربون منها منذ زمن طويل.. تاريخ وجودها الأول مرتبط
كلما كتبت نصًا إبداعيًا، انتابتني أسئلة محيرة.. هل الكتابة جهد فردي، تنتجه عبقرية ما اخترقتها تجارب الحياة بقوة حتى صهرتها، أم أنها تحتاج إلى سند، سند ما له تأثيره في بقية المسارات.. أي أن الكتابة في معناها الإنساني هي شراكة ما تتجلى بمختلف الأشكال.. هناك دائمًا ظل لا نراه، ولا نعرفه يصاحب الكاتب ويرافقه في رحلته، ويمنحه الكثير من حبه وسخائه، وربما من فيض تجربته.. لا هدف له إلا المساعدة في أصعب اللحظات وأكثرها قسوة.. من يتتبع حيوات الكتاب سيلاحظ ذلك بقوة.. لا وجود لكاتب دون ظله، ودون تلك اليد
تقدم الرواية الكلاسيكية زمناً خطياً، تعاقبياً متواتراً وفق حركة الأحداث والوقائع. لا يوجد أي انحراف في النظام الزمني. نحن نشهد في لحظة القراءة، كيف يتطور مسار الشخصية من لحظة الزمن الأولى حتى اللحظة التي تختم حياة البطل. هناك مسار ستاندار، نموذجي تمر عبره غالبية الروايات الكلاسيكية الرومانسية. تنفتح الرواية على ولادة البطل، وسعادة العائلة به، ثم زمن نشوئه وشبابه، وكيف كبر واكتشف شيئاً من أسرار العالم. ويترعرع في وسط جميل يوفر له كل حاجاته الضرورية، ويقلل عليه من مصاعب الحياة. ثم يأتي زمن الحب
شغل التخييل فيلسوفاً كبيراً مثل هوسيرل. فهو يرى أنه لا توجد صورة موحدة وواضحة للصورة وكيفية تمثلها في الذهن بناء على شيء واقع وملموس، أي المرجع. ما قام به جون بول سارتر متأثراً بالفيلسوف هوسيرل الذي شكل قاعدة فكرية له في تعريفه التخييل، مهم ويستحق التفكير والتأمل. فهو يقترح مدخلين نقديين لتصورات هوسيرل في هذا السياق. أولاً، لا يوجد أي توصيف لجوهر الصورة مقارنة بجوهر التصور، يحاول سارتر أن يبين جوهر الاختلاف بين اللحظة التي يتخيل فيها المرء واللحظة التي يبصر فيها الشيء. ثانياً، يتعلق النقد بمادة
أحدث كوفيد 19 تغيرات واضطرابات حادة في الجسد العالمي والأوروبي بالخصوص.. هذه الهزات العنيفة قد تؤذي إلى خلخلة كل ما أنجز من نظم تسيير حتى الآن، والتفكير في نظام آخر تفرضه الضرورة، غير المعمول به اليوم الذي أظهر فشله وإخفاقه في مسألة بسيطة هي التضامن بين الأوروبيين أنفسهم، لا أتحدث عن دول أخرى لم تدرك إلا متأخرة مخاطر الفيروس.. لا تضامن حتى على المستوى الإنساني.. كان على إيطاليا انتظار الصين الجريحة وكوبا، لتتمكن من الاستفادة من المساعدة والخبرة.. العالم يستدعي اليوم العقل لحل أكبر معضلة القرن
التخييل هو الفعل الأهم في البنية الأدبية، السردية على وجه الخصوص.. فهو الذي يؤثث النص بالشخصيات والوقائع والأمكنة والأزمنة، والهزات التي تمنحنا، نحن القراء، انطباعًا عميقًا بالحقيقة التي ليست في النهاية إلا حقيقة افتراضية لا تتعدى عتبات الأدب والنص المقروء.. لكن قوة التخييل تدفع بها إلى الأمام بحيث تتحول إلى حقيقة ملموسة، على الرغم من أنها لا تنشأ إلا في سياق التجريد اللغوي.. أكثر الواقعيات تشددًا وارتباطًا بالواقع الموضوعي والحقيقة المجردة، لم تستطع أن تتخلص من فعل التخييل، بل كان دومًا
الأمراض الكبيرة والأوبئة كثيرًا ما تكشف عن أوبئة متأصلة في الأعماق وتحتاج إلى إعادة تكوين داخلي للتخلص منها.. ما لحق بالبشرية من تدمير داخلي لا يمكن الاستهانة به.. من ضمن ذلك مرض العنصرية التي أصبحت واحدة من سمات العصر الذي نعيشه.. من كثر تكرر الأعمال العنصرية أصبح الأمر مبتذلا ولا يثير الانتباه مطلقًا ويمر وكأنه لا حدث، بالخصوص في بعض البلدان الأوروبية على الرغم من أن القانون يعاقب بقوة رادعة على ذلك.. المشكلة اليوم هناك مسافة بين القانون والممارسة.. تضخيم صورة الأجنبي السيئ دفعت بالبعض ليس
لا نعرف عن الشاعر الروسي الكبير ماياكوفسكي، سوى كونه شاعر الثورة الروسية العظيم.. مع أن المخفي وراء هذا المناضل الكبير والمخيف بثقل اسمه، شاب عاشق لم يتحمل سرقة حريته، وفراق حبيبته، ومنعه من السفر إليها.. فقد كان الحمل ثقيلا عليه.. فقد كتب في البداية شعرًا كثيرًا جسد من خلاله علاقته بثورة أكتوبر ١٩١٧.. وربما كانت قصيدته غيمة في سروال التي بدأها في ١٩١٤ هي أهم نص عبر من خلاله على رفض كل النظم الظالمة.. قصيدة صادمة رفض فيها كل شيء مما كان يحيط به: فليسقط حبكم.. فليسقط فنّكم.. فليسقط نظامكم. في
قصة بدأت بصدفة، ثم بورقة صغيرة عليها رقم تليفونها، زحلقتها مارلين مونرو في يدي السيناتور الشاب، زير نساء، ج. ف. كيندي، وانتهت بأغنية عاشقة Happy Birthday Mister President بمناسبة عيد ميلاده، ثم موتهما الغامض، هي قتل في لباس انتحار، وهو اغتيال أمام الجميع.. قد تكون قصتهما ملفوفة في الكثير من السرية لكن لا أحد يستطيع اليوم نكرانها.. كل الشهادات تؤكدها بما في ذلك المخابرات.. وهناك من يحمل ج. ف. كيندي مسؤولية انتحار حبيبته.. فقد كانت مارلين مونرو نجمة صاعدة، وكيندي سيناتور نشيطًا ومرئيًا ومرشحًا
في قصة حب مي زيادة هزات كثيرة تستحق أن يتوقف عندها الباحث.. من يرى الناس من حولها يحسدها على السعادة التي كانت فيها، لكننا عندما نقترب من المشهد أكثر، نرى أن المعاناة كانت كبيرة.. تتجاوزها.. محبوبة لا تحب إلا نفسها.. ربما لأنها لم تجد الرجل الذي يقف أمامها ندًا للند وليس المستسلم لها أبدًا.. تأتي إلى صالونها، تحت ذراعها ملفات وأوراق، تضعها على المكتب قبل أن تحيل الكلمة لمدير الجلسة.. جميلة ومعطرة ورقيقة، ولكن أيضًا بعقل متوقد.. بدل أن تكون الأيقونة المحبوبة والمفكرة أيضًا، ينسحب كل شيء ولا تبقى
كلما ورد الحديث عن التاريخ، تضاعف الشجن والأسئلة الكثيرة: كيف نكون صادقين فيما نقوم به؟ التاريخ نقطة ضعفنا العربية على الرغم من أننا كنا أول من اهتم به بشكل دقيق وعلمي من خلال مقدمة ابن خلدون العظيمة.. هذه المقدمة التي قدمت للبشرية وسائط جديدة للمعرفة ولقراءة التاريخ خارج الخرافات لأنه منجز بشري معقد، والإنسان المسؤول عن أفعاله الإيجابية والسلبية.. في التاريخ محمول تخييلي يصعب التخلص منه، حتى عند أكثر الناس علمية. نتساءل اليوم بكثير من الدهشة: هل تاريخ المسعودي مثلا كله تاريخ؟ ابن إياس؟ وحتى
إن الأستاذ والإعلامي الجزائري المميز محمد بوعزارة، واحد من أهم الكتاب الإعلاميين الجزائريين. فهو من القلة القليلة التي اشتغلت بالتأليف، ولم تكتفِ بالمقالات، بل جعلت منه رهاناً تواصلياً حقيقياً. له سنوياً كتاب يجمل مقالاته التي نشرها على مدار العام. على الرغم من تنوع الموضوعات، إلا أنها تظل محكومة بخيط أساسي ورفيع: الجزائر في تحولاتها العميقة. يتابع كل شيء لا بالنظرة التقديسية ولكن بالعين المتفحصة والناقدة. نقف في هذه القراءة على كتابه الأخير قصتي مع الكتابة والصحافة/ حكايتي مع السياسة الذي صدر
تشكل الرواية العربية اليوم حالة استثناء طباعة وتوزيعًا وقراءة.. منذ بدايات القرن العشرين وهي مصدر اهتمام متواتر، ولو كان منبع ذلك في البداية هو الرغبة في فهم هذا الوافد الغريب ومحاولة اكتشافه، بالخصوص بعد ظهور رواية زينب لهيكل.. صحيح أن النقاش بين القبول والرفض كان حادًا ومفجرًا للبنية الثقافية العربية الغارقة في تقليدية متهالكة، ولكنه أدى إلى انتصار الرواية بدون أن يعني ذلك انتصارًا مسبقًا للحداثة، لأن هذه الأخيرة ولدت معطوبة في أسسها الاقتصادية والفكرية ونظمها السياسية.. واستمر هذا الاهتمام