كتاب
عندما تتحول الفكرة إلى ثروة وطنية
تاريخ النشر: 09 أغسطس 2026 22:53 KSA
في كثير من الأحيان، نتحدَّث عن الاقتصاد المعرفيِّ، والابتكار، والاستثمار في البحث العلميِّ، لكن تبقى الأسئلة الجوهريَّة مطروحة: هل نمنحُ الباحثَ السعوديَّ البيئة التي تمكِّنه من تحويل أفكاره إلى تقنياتٍ ومنتجاتٍ عالميَّةٍ؟ وهل نؤمنُ حقًّا بأنَّ الاستثمار في الباحث لا يقلُّ أهميَّةً عن الاستثمار في البنية التحتيَّة، أو المشروعات الكُبرى؟.
وفي ظلِّ مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، أصبح الابتكار أحد أهم محرِّكات التنمية والتنويع الاقتصاديِّ. غير أنَّ تحقيق هذا الطموح لا يبدأ بالمختبرات أو الأجهزة، بل يبدأ بالاستثمار في الباحث القادر على تحويل المعرفة إلى أثرٍ، والأفكار إلى حلول، والبحوث إلى صناعاتٍ.
قبل أيَّام، خضعَ أحدُ المشروعات البحثيَّة المطوَّرة في جامعة الأعمال والتكنولوجيا، وبالتَّعاون مع كليَّة فقيه للعلوم الطبيَّة (FCMS) لتقييم دولي من قبل أحد أكبر مكاتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ضمن إجراءات استكمال تسجيل البراءة الأمريكيَّة الكاملة، بعد أنْ كان قد حصل سابقًا على براءة أمريكيَّة مؤقَّتة. وقد خلص التقرير، بعد مراجعة دقيقة لبراءات الاختراع والأبحاث المنشورة عالميًّا، إلى أنَّ الابتكار يتمتَّع بالأصالة والتميُّز، وأوصى بالانتقال إلى المرحلة التَّالية من إجراءات التسجيل، والتي تمنح -عند إقرارها- حماية تمتد إلى عشرين عامًا.
ويتعلَّق المشروعُ بتطوير تقنية طبيَّة مبتكرة لمرضى السكَّريِّ تعتمد على دمج المستشعرات النانويَّة، والإلكترونيَّات المرنة، والبطاريات القابلة لإعادة الشَّحن، وتقنيات الذكاء الاصطناعيِّ للكشف المبكِّر عن مضاعفات القدم السكريَّة، بما يسهم في الحدِّ من مضاعفات المرض، وتحسين جودة حياة المرضى.
وما يدعو للفخر أنَّ هذا الابتكار لم يكن البداية، بل هو امتداد لبراءة اختراع سعوديَّة سابقة في مجال المواد النانويَّة، حصلت على الميداليَّة الذهبيَّة في معرض جنيف الدولي للاختراعات. وهنا تتجلَّى حقيقة مهمَّة؛ فالباحث المتميِّز لا ينتج مشروعًا واحدًا، بل يبني مسيرةً متراكمةً، تصبح فيها كل براءة اختراع أساسًا للتي تليها.
لكن ما استوقفني في هذه القصَّة ليس النجاح العلمي وحده، بل المفارقة.
فرغم أنَّ المشروع اجتاز تقييمًا دوليًّا مستقلًّا، وأثبت أصالته العلميَّة، وسبق أنْ تقدَّم للحصول على دعم من هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار (RDIA)، فإنَّه لا يزال ينتظر التمويل اللازم لاستكمال تطويره وتحويله إلى منتج يخدم المرضى والمجتمع.
ولا أقصد بذلك توجيه اللَّوم إلى جهة بعينها، وإنَّما طرح سؤالًا يستحقُّ التأمل: إذا كانت المشروعات التي تثبت تميُّزها العلمي، وتحظى بتوصية دوليَّة لاستكمال تسجيل براءة اختراع لا تجد طريقها إلى التمويل، فأيُّ نوعٍ من المشروعات ينبغي أنْ يكون في صدارة أولويَّات الدعم؟.
كما أنَّ مسؤولية دعم الابتكار لا ينبغي أنْ تقتصر على الجهات الحكوميَّة وحدها. ففي الدول الرائدة، تؤدِّي شركات الأدوية، وشركات التقنيات الطبيَّة، ومقدِّمو الرعاية الصحيَّة، وصناديق الاستثمار دورًا أساسًا في تمويل الأبحاث الواعدة، إدراكًا منها أنَّ الاستثمار في المعرفة اليوم، هو استثمار في أسواق الغد.
وربما تكون الرسالة الأهم اليوم إلى هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، والقطاع الصحيِّ، وشركات الأدوية والتقنيات الطبيَّة، والجهات التمويليَّة كافَّة، أنَّ المملكة تزخرُ بعقولٍ قادرةٍ على المنافسة عالميًّا. وما تحتاجه هذه العقول هو شراكة وطنيَّة تؤمن بها، وتستثمر فيها، وترافقها حتى تتحوَّل الأفكار السعوديَّة إلى تقنيات عالميَّة، وبراءات اختراع، وشركات ناشئة، ومنتجات تحمل شعار «صُنع في السعوديَّة» وتنافس في الأسواق الدوليَّة.
إن دعم الباحثين ليس دعمًا لأشخاص، بل استثمار في مستقبل المملكة، وفي اقتصادها، وفي أمنها الصحيِّ والتقنيِّ. فالمستقبل لا تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه العقول التي تحوِّل المعرفة إلى أثر، والبحث العلميِّ إلى تنمية، والابتكار إلى ثروة وطنيَّة.
ويبقى السؤالُ الذي يستحقُّ أنْ يُطرح بكلِّ شفافية: إذا كان مشروع ابتكاري سعودي، تبنته جامعتان أهليَّتان، واجتاز تقييمًا علميًّا دوليًّا مستقلًّا، وحصل على توصيةٍ باستكمال تسجيل براءة اختراع أمريكيَّة، ولا يزال ينتظر الدعم اللازم للانتقال إلى مرحلة التطبيق؛ فكم مشروعًا وطنيًّا واعدًا يواجه المصير ذاته؟.
إنَّني أرَى أنَّ الوقت قد حان لفتح ملف وطني لدراسة أسباب تأخر دعم المشروعات الابتكارية السعودية، ومراجعة آليات تقييمها وتمويلها، والمدة الزمنية التي تستغرقها طلبات الدعم؛ لضمان ألَّا تضيع الأفكار الواعدة في دهاليز الإجراءات، أو بطء القرارات. فالابتكار لا ينتظر، والمنافسة العالميَّة لا تمنح المتأخرين فرصة ثانية. وإذا أردنا أنْ تتحول المملكة إلى دولة منتجة للتقنية لا مستهلكة لها، فإنَّ حماية الابتكار لا تكون بمنح براءة الاختراع فقط، بل بتمكينها من الوصول إلى السوق، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصحية تعود بالنفع على الوطن والمواطن.
وفي ظلِّ مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، أصبح الابتكار أحد أهم محرِّكات التنمية والتنويع الاقتصاديِّ. غير أنَّ تحقيق هذا الطموح لا يبدأ بالمختبرات أو الأجهزة، بل يبدأ بالاستثمار في الباحث القادر على تحويل المعرفة إلى أثرٍ، والأفكار إلى حلول، والبحوث إلى صناعاتٍ.
قبل أيَّام، خضعَ أحدُ المشروعات البحثيَّة المطوَّرة في جامعة الأعمال والتكنولوجيا، وبالتَّعاون مع كليَّة فقيه للعلوم الطبيَّة (FCMS) لتقييم دولي من قبل أحد أكبر مكاتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ضمن إجراءات استكمال تسجيل البراءة الأمريكيَّة الكاملة، بعد أنْ كان قد حصل سابقًا على براءة أمريكيَّة مؤقَّتة. وقد خلص التقرير، بعد مراجعة دقيقة لبراءات الاختراع والأبحاث المنشورة عالميًّا، إلى أنَّ الابتكار يتمتَّع بالأصالة والتميُّز، وأوصى بالانتقال إلى المرحلة التَّالية من إجراءات التسجيل، والتي تمنح -عند إقرارها- حماية تمتد إلى عشرين عامًا.
ويتعلَّق المشروعُ بتطوير تقنية طبيَّة مبتكرة لمرضى السكَّريِّ تعتمد على دمج المستشعرات النانويَّة، والإلكترونيَّات المرنة، والبطاريات القابلة لإعادة الشَّحن، وتقنيات الذكاء الاصطناعيِّ للكشف المبكِّر عن مضاعفات القدم السكريَّة، بما يسهم في الحدِّ من مضاعفات المرض، وتحسين جودة حياة المرضى.
وما يدعو للفخر أنَّ هذا الابتكار لم يكن البداية، بل هو امتداد لبراءة اختراع سعوديَّة سابقة في مجال المواد النانويَّة، حصلت على الميداليَّة الذهبيَّة في معرض جنيف الدولي للاختراعات. وهنا تتجلَّى حقيقة مهمَّة؛ فالباحث المتميِّز لا ينتج مشروعًا واحدًا، بل يبني مسيرةً متراكمةً، تصبح فيها كل براءة اختراع أساسًا للتي تليها.
لكن ما استوقفني في هذه القصَّة ليس النجاح العلمي وحده، بل المفارقة.
فرغم أنَّ المشروع اجتاز تقييمًا دوليًّا مستقلًّا، وأثبت أصالته العلميَّة، وسبق أنْ تقدَّم للحصول على دعم من هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار (RDIA)، فإنَّه لا يزال ينتظر التمويل اللازم لاستكمال تطويره وتحويله إلى منتج يخدم المرضى والمجتمع.
ولا أقصد بذلك توجيه اللَّوم إلى جهة بعينها، وإنَّما طرح سؤالًا يستحقُّ التأمل: إذا كانت المشروعات التي تثبت تميُّزها العلمي، وتحظى بتوصية دوليَّة لاستكمال تسجيل براءة اختراع لا تجد طريقها إلى التمويل، فأيُّ نوعٍ من المشروعات ينبغي أنْ يكون في صدارة أولويَّات الدعم؟.
كما أنَّ مسؤولية دعم الابتكار لا ينبغي أنْ تقتصر على الجهات الحكوميَّة وحدها. ففي الدول الرائدة، تؤدِّي شركات الأدوية، وشركات التقنيات الطبيَّة، ومقدِّمو الرعاية الصحيَّة، وصناديق الاستثمار دورًا أساسًا في تمويل الأبحاث الواعدة، إدراكًا منها أنَّ الاستثمار في المعرفة اليوم، هو استثمار في أسواق الغد.
وربما تكون الرسالة الأهم اليوم إلى هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، والقطاع الصحيِّ، وشركات الأدوية والتقنيات الطبيَّة، والجهات التمويليَّة كافَّة، أنَّ المملكة تزخرُ بعقولٍ قادرةٍ على المنافسة عالميًّا. وما تحتاجه هذه العقول هو شراكة وطنيَّة تؤمن بها، وتستثمر فيها، وترافقها حتى تتحوَّل الأفكار السعوديَّة إلى تقنيات عالميَّة، وبراءات اختراع، وشركات ناشئة، ومنتجات تحمل شعار «صُنع في السعوديَّة» وتنافس في الأسواق الدوليَّة.
إن دعم الباحثين ليس دعمًا لأشخاص، بل استثمار في مستقبل المملكة، وفي اقتصادها، وفي أمنها الصحيِّ والتقنيِّ. فالمستقبل لا تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه العقول التي تحوِّل المعرفة إلى أثر، والبحث العلميِّ إلى تنمية، والابتكار إلى ثروة وطنيَّة.
ويبقى السؤالُ الذي يستحقُّ أنْ يُطرح بكلِّ شفافية: إذا كان مشروع ابتكاري سعودي، تبنته جامعتان أهليَّتان، واجتاز تقييمًا علميًّا دوليًّا مستقلًّا، وحصل على توصيةٍ باستكمال تسجيل براءة اختراع أمريكيَّة، ولا يزال ينتظر الدعم اللازم للانتقال إلى مرحلة التطبيق؛ فكم مشروعًا وطنيًّا واعدًا يواجه المصير ذاته؟.
إنَّني أرَى أنَّ الوقت قد حان لفتح ملف وطني لدراسة أسباب تأخر دعم المشروعات الابتكارية السعودية، ومراجعة آليات تقييمها وتمويلها، والمدة الزمنية التي تستغرقها طلبات الدعم؛ لضمان ألَّا تضيع الأفكار الواعدة في دهاليز الإجراءات، أو بطء القرارات. فالابتكار لا ينتظر، والمنافسة العالميَّة لا تمنح المتأخرين فرصة ثانية. وإذا أردنا أنْ تتحول المملكة إلى دولة منتجة للتقنية لا مستهلكة لها، فإنَّ حماية الابتكار لا تكون بمنح براءة الاختراع فقط، بل بتمكينها من الوصول إلى السوق، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصحية تعود بالنفع على الوطن والمواطن.