كتاب

في الجهة الأخرى من باب العيادة

وصلتني من إحدى زميلاتي الطَّبيبات رسالةٌ مؤثرةٌ، كتبتهَا معبِّرةً عن تجربة الانتظار الطَّويل أمام عيادة الطَّبيب، لا بوصفها طبيبةً، بل ابنة تحمل قلقًا أثقل من أنْ تختصرُه الكلمات. أنقلها هنا بتصرُّفٍ يَسيرٍ، محافظًا على جوهرها المُفعم بالحِيرة والألم:
«هذه ليست زيارةً عاديةً للطَّبيب.

أنا هنا ابنة لمريضة بالسَّرطان في مرحلة متقدِّمة، أنتظرُ حديثًا عن خطَّة العلاج المقبلة: ما أهدافُ العلاج؟ ماذا يمكن أنْ يضيفَ؟ وأيُّ ثمنٍ يستحق أنْ يُدفَع؟.
موعد كهذا لا يُشبه خانة في جدول طبيٍّ مزدحمٍ. بل قد ينقسم عنده الزَّمن إلى ما قبله وما بعده. فبعضُ كلمات الطَّبيب لا تمرُّ عابرةً، بل تصبح جزءًا من ذاكرتنا وتصوُّرنا للمستقبل.

وأنا أعرفُ الجهة المقابلة من المشهد. في العيادة، يمرُّ المرضى واحدًا تلوَ الآخر. لكلٍّ منهم وقتٌ محدودٌ في يومٍ مزدحمٍ: نستمع، نفحص، نراجع النتائج، ونشرح خطَّة العلاج، ثمَّ ننتقل إلى المريض التَّالي. لكن خلف كلِّ اسمٍ في القائمة إنسانٌ قد يكون انتظر أيَّامًا، أو أسابيعَ من أجل تلك الدقائق المعدودة. أمَّا المعلومة المألوفة للطَّبيب، فهي الحدث الأهم للمريض، أو لأسرته في يومه ذلك. المسافة بين التجربتين شاسعة.
حين نكون في جهة الانتظار، يتغيَّر معنى الوقت. تصبحُ الدقائقُ أطولَ، والعينُ معلَّقةً بالباب. نرجُو أنْ ينتهي الموعد السابق سريعًا، وحين يأتي دورُنا، نرجو ألَّا يتعجَّل الطَّبيب، أنْ يمنحنا الوقتَ الكافي للسُّؤال والشَّرح والفَهم.
وهنا تكمنُ المفارقةُ المعهودةُ: كلُّ واحدٍ منَّا يريد أنْ يختصر انتظاره، لكنَّه لا يريد أنْ يُختصر وقته مع الطَّبيب.
في حجرة الانتظار، يجلس النَّاسُ متجاورِين، لكن لكلِّ واحدٍ منهم عالم مختلف لا يراهُ الآخرُ: نتيجة فحص، أو قرار علاجي، أو خبر يخشاه، أو أمل صغير يتشبَّث به.
المريضُ ليس مجرَّد اسم في قائمة، أو رقم في جدول، أو حالة ينبغي الانتهاءُ من معاينتها في وقتٍ محدَّد. إنَّه إنسانٌ جاء يحمل معه شيئًا من مصيره، ويضعه، ولو لدقائق، بين يدي طبيبه.
والحياةُ فيها من الثقل ما يكفي ويزيد. فإنْ استطعنا أنْ نخفِّف شيئًا منه، فلنفعل. وإنْ لم نستطع، فعلى الأقل، ألَّا نثقله أكثر».

أخبار ذات صلة

مديرو المساجد!
عندما ينخفض السهم عن سعر الاكتتاب.. من المسؤول؟
بيض ودجاج!!
مدرسة الصحراء بالمسيجيد
;
فرقه «أبو سراج».. نصف قرن من الأصالة
الأثر الباقي.. الذّكر الحسن بعد الرحيل
هل النفس أقرب إلى الفجور؟!
الفلسفة والدين
;
(موهبة).. في المشهد التعليمي
مراجعة التعليم لقراراتها.. ونداء لأولئك المعلمات
الوظائف القيادية.. بين التواضع والجبروت!
التمكين.. شراكة المرأة مع الرجل
;
عشة الطين.. حيث بدأت
هروب الخادمات والاتجار بالبشر.. من المستفيد؟!
في سجن ذهبان
هِسْتَر.. أفضل مُسجّل في الجامعات السعودية