كتاب
إذا تفاعلت مع السلبيات فأنت ضحية للخوارزميات..!
تاريخ النشر: 29 أغسطس 2026 23:05 KSA
أهلًا بكم في «سوق عكاظ الإلكترونيِّ»، حيث تُرفَع بضاعة التَّفاهة إلى سقف السَّماء، وتُكسَد سلعةُ الحكمة في قاع النِّسيان!
إنَّه -لعمري- مشهدٌ يثيرُ الضَّحك والبُكاء معًا، أنْ ترى جهابذةَ الفكر، ودكاترةَ الجامعات، وأهلَ الرَّأي، يمرُّون زاهدِينَ أمام مقالٍ عميقٍ، أو بحثٍ رصينٍ كأنَّهم لم يسمعُوه، ثمَّ تجدهم يهرولُونَ كالمجاذيبِ، ويتسمَّرُونَ كالمسحورِين أمام فيديو تافهٍ لـ»مشهورِ غفلةٍ»، أو مشاجرةٍ رخيصةٍ بين جهلاءَ، بل ولا يغادرُونَ المكان حتَّى يتركُوا بصمةَ تعليقاتِهم المُباركة!
والمُضحك المُبكي، أنَّ بعض هؤلاء الجهابذة يرتدُونَ مسوحَ الفضيلة، ويزعمُونَ -بغرورٍ- أنَّهم بردودِهِم وانتقاداتِهِم اللَّاذعة يحاربُون القبيحَ، ويفضحُونَ الفسادَ!
ويا لجهلهِم بوعي المتلقِّي، وبديهيَّات التَّاريخ! فالجمهورُ عيونُه شاخصةٌ نحو الخشبةِ، لا نحو كواليس الرُّدود، والنَّاسُ يستهلكُونَ المحتوى الأصلي ولا تعنيهم هوامش المنتقدِينَ.
والتَّاريخُ العتيقُ يلفحُ وجوهَنا بهذه الحقيقة دائمًا، فقد عاشَ المتنبي ملءَ السَّمعِ والبصرِ، بينما طوَى النِّسيانُ كلَّ أولئك الصِّغار الذين هَجوهُ وردُّوا عليهِ، عاشت فكرتُه، ومات معارضُوه، وماتت بموتِهِم ردودُهم الموتورةُ! فلماذا يصرُّ مثقَّفونا على تكرار الخطيئةِ التَّاريخيَّة، ونفخ الرُّوح في عظامِ الرديء وَهِي رميمٌ؟
ولكن، ما الذي يثقبُ وعي هؤلاء المثقَّفِينَ؟
ولماذا يتحفَّزُونَ كالوعولِ للنِّطاح في حلبات السَّلبيَّة، بينما يُصابُونَ بالخَرَسِ والبَلَادةِ أمام واحاتِ الإيجابيَّة والجَمَال؟
لعلَّ الجوابَ يبدُو في النقاط التالية:
1- غريزةُ الكهفِ الفطريَّة (انحياز السلبيَّة):
دماغُ الإنسان -حتَّى لو حشَا صاحبُه برأسهِ مئةَ كتابٍ- لا يزال يحملُ جيناتِ إنسانِ الكهفِ البدائيِّ، مبرمج على رصدِ العقاربِ والتَّهديداتِ، قبل الالتفات لجَمَال الزُّهور.
القبيحُ والمُستفزُّ يقرعُ طبولَ الخطر في الجمجمة، فيندفعُ المثقَّفُ للتَّفاعلِ؛ دفاعًا عن قبيلتهِ الفكريَّة، بينما يمرُّ بالجميل مرَّ الكرامِ؛ لأنّه لا يهدِّد أمنَهُ!
2- فخُّ الانتباهِ وجشعُ الخوارزميَّات:
منصَّات التَّواصل ليست جمعيَّة خيريَّة لنشر الفضيلة، بل هي تاجرٌ جشعٌ يبيعُ ويشترِي في «وقتك الثَّمين». الخوارزميَّات لا تفهمُ معنى «ثقافة»، بل تفهمُ لُغة «الاستفزازِ والضَّجيجِ»، وحين يتهافتُ النَّاسُ على الرديءِ، ترفعُه في الآفاق، وتصفعُه في وجوه الجميع، فيسقط المثقَّفُ في الفخِّ، ويتحوَّل بجهلِهِ إلى وقودٍ مجانيٍّ لآلةِ الرأسماليَّة المتوحِّشةِ.
3- برستيجُ الترند والبطالة المُقنَّعة:
التَّعليقُ بسخريةٍ على «تفاهةِ اليوم» يمنحُ المثقَّف شهادةًَ بأنَّه «مواكبٌ للعصرِ» وابن بيئتِهِ الرقميَّةِ.
التمرُّغُ في وحلِ الترند سهلٌ، ولا يحتاجُ سوى لبضع كلماتٍ ساخرةٍ، بينما الثَّناءُ على محتوى جادٍّ يتطلَّب جُهدًا فكريًّا، وعصاراتٍ ذهنيَّةً، تكاسلت عنها عقولٌ أرهقتها الوجباتُ الرقميَّةُ السَّريعةُ.
4- استشرافٌ رخيصٌ وتنفيسٌ نفسيٌّ:
المحتوى الهابط ُهو المرآةُ المفضَّلة لدى أدعياء المثاليَّة؛ إذ يقفُونَ أمام قذارةِ الرديءِ؛ ليصرخُوا: «انظرُوا كمْ نحنُ رائعُونَ وأنقياءٌ!».
إنَّه تنفيسٌ نفسيٌّ مجانيٌّ لعُقد النَّقص، وسوقٌ رخيصةٌ لاستعراض النَّزاهة دونَ الاضطرار لدفع أيِّ ثمنٍ أخلاقيٍّ حقيقيٍّ في أرض الواقع.
خُذ عندكَ هذَا المثال الضَّاحك:
على سبيل المثال، قبل يومين نشرتْ شاعرةٌ مبتدئةٌ قصيدةً عاديَّةً جدًّا ومحشوَّةً بالرَّكاكةِ، فما كان من أكبرِ نقَّاد البلد إلَّا أنَّ شمَّرُوا عن سواعدِهِم وتهافتُوا للردِّ عليها، وتفنيد هبوطِهَا.
والنَّتيجة ما هي؟
طارت الشَّاعرةُ المبتدئةُ بجناحَي الشُّهرة، وصارت نجمةَ المجتمع الرقميِّ، بينما تحوَّل أولئك النَّقادُ الفطاحل إلى مجرَّد «كورالٍ خلفيٍّ» يحملُونَها كقطعةٍ موسيقيَّةِ على ظهورهم؛ ليطوفُوا بها بين النَّاس!
نعم، حملُوها على سبيل الاستنكار، ولكنَّهم طارُوا بها إلى سماء النجوميَّة، وبقوا هم حيث هم في قاعِ التبعيَّة الرقميَّة.
حسنًا.. ماذا بَقِيَ؟
بَقِيَ أنْ ندركَ أنَّ هذه الشاشات الزَّرقاء ما هي إلَّا مسرحٌ للعبث، الجيدُ فيه يهمسُ حياءً، والرديءُ يصرخُ وقاحةً، والقطيعُ الرقميُّ يركضُ دائمًا خلف مصدر الجَلَبة.
وحين يخرجُ علينا ذلك «الجهبذُ»؛ ليدافع عن تبرُّعه بالانتباه للمحتوى السَّاقط بحجَّة: «أنَا أردُّ لأفضحَ القبحَ!»، نقولُ له: عذرُك هذا قبيحٌ، وظاهرُه شفقةٌ وباطنُه هلاكٌ، فالردُّ على الرديءِ هو إنعاشٌ له، والحديثُ عنه هو إعلانٌ مجانيٌّ يرفعه في بورصة المشاهدات.
الحقيقةُ النفسيَّة الصَّارمة تقولُ: دعمُ الجيِّد أَولَى بمئة مرَّة من محاربةِ الفَاسد؛ لأنَّك حين تسلِّط الضوء على الشَّمعة، يهربُ الظَّلامُ ذليلًا من تلقاء نفسه، دون أنْ تُضطَّر لشتمِ العتمةِ، أو منحها شرفَ الالتفاتِ.
إنَّه -لعمري- مشهدٌ يثيرُ الضَّحك والبُكاء معًا، أنْ ترى جهابذةَ الفكر، ودكاترةَ الجامعات، وأهلَ الرَّأي، يمرُّون زاهدِينَ أمام مقالٍ عميقٍ، أو بحثٍ رصينٍ كأنَّهم لم يسمعُوه، ثمَّ تجدهم يهرولُونَ كالمجاذيبِ، ويتسمَّرُونَ كالمسحورِين أمام فيديو تافهٍ لـ»مشهورِ غفلةٍ»، أو مشاجرةٍ رخيصةٍ بين جهلاءَ، بل ولا يغادرُونَ المكان حتَّى يتركُوا بصمةَ تعليقاتِهم المُباركة!
والمُضحك المُبكي، أنَّ بعض هؤلاء الجهابذة يرتدُونَ مسوحَ الفضيلة، ويزعمُونَ -بغرورٍ- أنَّهم بردودِهِم وانتقاداتِهِم اللَّاذعة يحاربُون القبيحَ، ويفضحُونَ الفسادَ!
ويا لجهلهِم بوعي المتلقِّي، وبديهيَّات التَّاريخ! فالجمهورُ عيونُه شاخصةٌ نحو الخشبةِ، لا نحو كواليس الرُّدود، والنَّاسُ يستهلكُونَ المحتوى الأصلي ولا تعنيهم هوامش المنتقدِينَ.
والتَّاريخُ العتيقُ يلفحُ وجوهَنا بهذه الحقيقة دائمًا، فقد عاشَ المتنبي ملءَ السَّمعِ والبصرِ، بينما طوَى النِّسيانُ كلَّ أولئك الصِّغار الذين هَجوهُ وردُّوا عليهِ، عاشت فكرتُه، ومات معارضُوه، وماتت بموتِهِم ردودُهم الموتورةُ! فلماذا يصرُّ مثقَّفونا على تكرار الخطيئةِ التَّاريخيَّة، ونفخ الرُّوح في عظامِ الرديء وَهِي رميمٌ؟
ولكن، ما الذي يثقبُ وعي هؤلاء المثقَّفِينَ؟
ولماذا يتحفَّزُونَ كالوعولِ للنِّطاح في حلبات السَّلبيَّة، بينما يُصابُونَ بالخَرَسِ والبَلَادةِ أمام واحاتِ الإيجابيَّة والجَمَال؟
لعلَّ الجوابَ يبدُو في النقاط التالية:
1- غريزةُ الكهفِ الفطريَّة (انحياز السلبيَّة):
دماغُ الإنسان -حتَّى لو حشَا صاحبُه برأسهِ مئةَ كتابٍ- لا يزال يحملُ جيناتِ إنسانِ الكهفِ البدائيِّ، مبرمج على رصدِ العقاربِ والتَّهديداتِ، قبل الالتفات لجَمَال الزُّهور.
القبيحُ والمُستفزُّ يقرعُ طبولَ الخطر في الجمجمة، فيندفعُ المثقَّفُ للتَّفاعلِ؛ دفاعًا عن قبيلتهِ الفكريَّة، بينما يمرُّ بالجميل مرَّ الكرامِ؛ لأنّه لا يهدِّد أمنَهُ!
2- فخُّ الانتباهِ وجشعُ الخوارزميَّات:
منصَّات التَّواصل ليست جمعيَّة خيريَّة لنشر الفضيلة، بل هي تاجرٌ جشعٌ يبيعُ ويشترِي في «وقتك الثَّمين». الخوارزميَّات لا تفهمُ معنى «ثقافة»، بل تفهمُ لُغة «الاستفزازِ والضَّجيجِ»، وحين يتهافتُ النَّاسُ على الرديءِ، ترفعُه في الآفاق، وتصفعُه في وجوه الجميع، فيسقط المثقَّفُ في الفخِّ، ويتحوَّل بجهلِهِ إلى وقودٍ مجانيٍّ لآلةِ الرأسماليَّة المتوحِّشةِ.
3- برستيجُ الترند والبطالة المُقنَّعة:
التَّعليقُ بسخريةٍ على «تفاهةِ اليوم» يمنحُ المثقَّف شهادةًَ بأنَّه «مواكبٌ للعصرِ» وابن بيئتِهِ الرقميَّةِ.
التمرُّغُ في وحلِ الترند سهلٌ، ولا يحتاجُ سوى لبضع كلماتٍ ساخرةٍ، بينما الثَّناءُ على محتوى جادٍّ يتطلَّب جُهدًا فكريًّا، وعصاراتٍ ذهنيَّةً، تكاسلت عنها عقولٌ أرهقتها الوجباتُ الرقميَّةُ السَّريعةُ.
4- استشرافٌ رخيصٌ وتنفيسٌ نفسيٌّ:
المحتوى الهابط ُهو المرآةُ المفضَّلة لدى أدعياء المثاليَّة؛ إذ يقفُونَ أمام قذارةِ الرديءِ؛ ليصرخُوا: «انظرُوا كمْ نحنُ رائعُونَ وأنقياءٌ!».
إنَّه تنفيسٌ نفسيٌّ مجانيٌّ لعُقد النَّقص، وسوقٌ رخيصةٌ لاستعراض النَّزاهة دونَ الاضطرار لدفع أيِّ ثمنٍ أخلاقيٍّ حقيقيٍّ في أرض الواقع.
خُذ عندكَ هذَا المثال الضَّاحك:
على سبيل المثال، قبل يومين نشرتْ شاعرةٌ مبتدئةٌ قصيدةً عاديَّةً جدًّا ومحشوَّةً بالرَّكاكةِ، فما كان من أكبرِ نقَّاد البلد إلَّا أنَّ شمَّرُوا عن سواعدِهِم وتهافتُوا للردِّ عليها، وتفنيد هبوطِهَا.
والنَّتيجة ما هي؟
طارت الشَّاعرةُ المبتدئةُ بجناحَي الشُّهرة، وصارت نجمةَ المجتمع الرقميِّ، بينما تحوَّل أولئك النَّقادُ الفطاحل إلى مجرَّد «كورالٍ خلفيٍّ» يحملُونَها كقطعةٍ موسيقيَّةِ على ظهورهم؛ ليطوفُوا بها بين النَّاس!
نعم، حملُوها على سبيل الاستنكار، ولكنَّهم طارُوا بها إلى سماء النجوميَّة، وبقوا هم حيث هم في قاعِ التبعيَّة الرقميَّة.
حسنًا.. ماذا بَقِيَ؟
بَقِيَ أنْ ندركَ أنَّ هذه الشاشات الزَّرقاء ما هي إلَّا مسرحٌ للعبث، الجيدُ فيه يهمسُ حياءً، والرديءُ يصرخُ وقاحةً، والقطيعُ الرقميُّ يركضُ دائمًا خلف مصدر الجَلَبة.
وحين يخرجُ علينا ذلك «الجهبذُ»؛ ليدافع عن تبرُّعه بالانتباه للمحتوى السَّاقط بحجَّة: «أنَا أردُّ لأفضحَ القبحَ!»، نقولُ له: عذرُك هذا قبيحٌ، وظاهرُه شفقةٌ وباطنُه هلاكٌ، فالردُّ على الرديءِ هو إنعاشٌ له، والحديثُ عنه هو إعلانٌ مجانيٌّ يرفعه في بورصة المشاهدات.
الحقيقةُ النفسيَّة الصَّارمة تقولُ: دعمُ الجيِّد أَولَى بمئة مرَّة من محاربةِ الفَاسد؛ لأنَّك حين تسلِّط الضوء على الشَّمعة، يهربُ الظَّلامُ ذليلًا من تلقاء نفسه، دون أنْ تُضطَّر لشتمِ العتمةِ، أو منحها شرفَ الالتفاتِ.