كتاب
الشخصية السامة
تاريخ النشر: 08 سبتمبر 2026 23:32 KSA
أثرُ السُّموم على الجسد معروفٌ ومحذورٌ - سلَّمنا اللهُ وإيَّاكُم- غير أنَّ هناك سمومًا أُخْرى لا تُرَى، لكنَّها توثِّر سلبًا على النَّفس والعلاقات، مصدرها الشخصيَّات السامَّة - أجارنَا اللهُ وإيَّاكُم-.
كما قد تدخلُ السُّموم الماديَّة إلى الجسد بجرعةٍ صغيرةٍ، فتترك أثرًا مُضرًّا، فإنَّ السُّموم النفسيَّة تتسلَّل عبر الحديث السلبيِّ المتكرِّر، أو الألفاظ السيِّئة، أو التَّلميحات غير المُريحة، وقد تتشكَّل على هيئة كلامٍ يكثر فيه لوم الآخرِين والتذمُّر من الأوضاع، والانشغال بما لا يملك المتحدِّث تغييره، بينما تراهُ يهملُ ما يقعُ ضمن مسؤوليَّته. مثل هذه الشخصيَّات يكون حضورُها عبئًا ثقيلاً في العمل، والعائلة، والصَّداقة، بل حتَّى أثناء لقاءٍ عابرٍ في أيِّ مكان.
في بيئة العمل، قد تتمثَّل الشخصيَّة السامَّة في موظَّف يملك خبرةً وقدرةً على الإنجاز، لكنَّه يزرع الشَّك، ويُضعف الرُّوح المعنويَّة، ويثير الخلاف (حتَّى لو تظاهر بالحياد)، وينسب النَّجاح إلى نفسه، بينما يرمي غيرَه بالإخفاق والتَّقصير. خلصت دراسةٌ منشورةٌ في كليَّة هارفارد للأعمال، إلى أنَّ تجنُّب الموظَّف السامِّ، أو تحويله إلى موظَّفٍ عاديٍّ يحقِّق أثرًا أكبر من استبدال بموظَّفٍ عاديٍّ، موظَّفًا نجمًا، وأنَّ التَّسامح مع سلوك الموظَّف السامِّ بحجَّة الخبرة، أو صعوبة الاستبدال يُكلِّف المؤسَّسة أكثر ممَّا يحقِّقه ذلك الموظَّفُ من إنجاز فرديٍّ؛ إذ تتراجع الثقةُ، ويضعف التعاونُ، وتنشغل الإدارةُ بمعالجة النِّزاعات بدلًا من تحقيق الأهداف.
لا يعني ذلك أنَّ كلَّ ناقدٍ، أو مخالفٍ في الرَّأي شخصٌ سامٌّ، فالنَّقد المهنيًّ ضرورةٌ في المؤسَّسات النَّاجحة. الفرق أنَّ النَّاقد البنَّاء يناقش الفكرة، ويحترم الأشخاص، أمَّا الشخصيَّة السامَّة فتجعل الأشخاص موضوع المعركة، وتحوِّل الاختلاف إلى خصومةٍ. وقد نبَّه البروفيسور روبرت ساتن في كتابٍ عن بناء بيئة عمل مُتحضِّرة إلى خطورة السُّلوك المُهين والمتكرِّر في العمل. المؤسَّسات القويَّة لا تُبنَى بالخبرات وحدها، بل بالثِّقة والاحترام والتَّعاون، ومَن يحقِّق نتائجَ فرديَّة لكنَّه يهدمُ هذه الأُسس يشبهُ مَن يبني غرفةً ويهدم أعمدةَ المبنى. لذلك فإنَّ من أهمِّ مسؤوليَّات القيادات، حماية بيئة العمل من السلوكيَّات التي تهدمُ هذه الأُسس؛ وتؤثِّر سلبيًّا على قِيم المؤسَّسة والأداء الجماعيِّ.
في العائلة، قد تظهر السمِّيَّة في تتبُّع العيوب، وتكبير الخلافات، وربط المواقف القديمة بتفسير للنيَّات، بما يُضيِّق فرص الإصلاح، وحُسن الظَّن. ومع كثرة الخلافات العائليَّة في أيَّامنا هذه؛ لنتذكَّر بأنَّ المطلوب من كلِّ فرد في العائلة هو الإسهام بشكلٍ إيجابيٍّ في تعزيز الأُلفة، وصِلة الرَّحم، وإصلاح ذات البَين، وليس زيادة استعار نار الخلافات والفِتنة.
في حادثةِ الإفكِ، استسهلت بعضُ النُّفوس الخوضَ فيما لا تعلم: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾، في ذلك درسٌ لكلِّ بيئة عمل وصداقة وعائلة: ليست كلُّ رُواية تُسمَع تستحقُّ أنْ تُنقَل، وليس كلُّ ظنِّ يصلحُ أنْ يتحوَّل إلى موقفٍ.
المشاعر تنتقلُ بالعدوى، وتُعرَف الشخصيَّات السامَّة من أثرها في النُّفوس والعلاقات أكثر ممَّا تُعرَف من ظاهر كلامها، فحضورها يخلِّف توتُّرًا، وحديثُها يوسِّع الجفاءَ، ولا يعينُ على إصلاح الخلاف.
في الختام، نستذكرُ قولَه تعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، وقولَ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أََلََا أَدُلُّكُم عَلَى أَفْضَلَ مِن درجةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدقةِ؟ قالوا: بَلَى يَا رسولَ اللهِ. قالَ: إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هِي الحَالِقَةُ. لَا أقولُ: إنَّها تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكنْ تَحْلِقُ الدِّينَ».
كما قد تدخلُ السُّموم الماديَّة إلى الجسد بجرعةٍ صغيرةٍ، فتترك أثرًا مُضرًّا، فإنَّ السُّموم النفسيَّة تتسلَّل عبر الحديث السلبيِّ المتكرِّر، أو الألفاظ السيِّئة، أو التَّلميحات غير المُريحة، وقد تتشكَّل على هيئة كلامٍ يكثر فيه لوم الآخرِين والتذمُّر من الأوضاع، والانشغال بما لا يملك المتحدِّث تغييره، بينما تراهُ يهملُ ما يقعُ ضمن مسؤوليَّته. مثل هذه الشخصيَّات يكون حضورُها عبئًا ثقيلاً في العمل، والعائلة، والصَّداقة، بل حتَّى أثناء لقاءٍ عابرٍ في أيِّ مكان.
في بيئة العمل، قد تتمثَّل الشخصيَّة السامَّة في موظَّف يملك خبرةً وقدرةً على الإنجاز، لكنَّه يزرع الشَّك، ويُضعف الرُّوح المعنويَّة، ويثير الخلاف (حتَّى لو تظاهر بالحياد)، وينسب النَّجاح إلى نفسه، بينما يرمي غيرَه بالإخفاق والتَّقصير. خلصت دراسةٌ منشورةٌ في كليَّة هارفارد للأعمال، إلى أنَّ تجنُّب الموظَّف السامِّ، أو تحويله إلى موظَّفٍ عاديٍّ يحقِّق أثرًا أكبر من استبدال بموظَّفٍ عاديٍّ، موظَّفًا نجمًا، وأنَّ التَّسامح مع سلوك الموظَّف السامِّ بحجَّة الخبرة، أو صعوبة الاستبدال يُكلِّف المؤسَّسة أكثر ممَّا يحقِّقه ذلك الموظَّفُ من إنجاز فرديٍّ؛ إذ تتراجع الثقةُ، ويضعف التعاونُ، وتنشغل الإدارةُ بمعالجة النِّزاعات بدلًا من تحقيق الأهداف.
لا يعني ذلك أنَّ كلَّ ناقدٍ، أو مخالفٍ في الرَّأي شخصٌ سامٌّ، فالنَّقد المهنيًّ ضرورةٌ في المؤسَّسات النَّاجحة. الفرق أنَّ النَّاقد البنَّاء يناقش الفكرة، ويحترم الأشخاص، أمَّا الشخصيَّة السامَّة فتجعل الأشخاص موضوع المعركة، وتحوِّل الاختلاف إلى خصومةٍ. وقد نبَّه البروفيسور روبرت ساتن في كتابٍ عن بناء بيئة عمل مُتحضِّرة إلى خطورة السُّلوك المُهين والمتكرِّر في العمل. المؤسَّسات القويَّة لا تُبنَى بالخبرات وحدها، بل بالثِّقة والاحترام والتَّعاون، ومَن يحقِّق نتائجَ فرديَّة لكنَّه يهدمُ هذه الأُسس يشبهُ مَن يبني غرفةً ويهدم أعمدةَ المبنى. لذلك فإنَّ من أهمِّ مسؤوليَّات القيادات، حماية بيئة العمل من السلوكيَّات التي تهدمُ هذه الأُسس؛ وتؤثِّر سلبيًّا على قِيم المؤسَّسة والأداء الجماعيِّ.
في العائلة، قد تظهر السمِّيَّة في تتبُّع العيوب، وتكبير الخلافات، وربط المواقف القديمة بتفسير للنيَّات، بما يُضيِّق فرص الإصلاح، وحُسن الظَّن. ومع كثرة الخلافات العائليَّة في أيَّامنا هذه؛ لنتذكَّر بأنَّ المطلوب من كلِّ فرد في العائلة هو الإسهام بشكلٍ إيجابيٍّ في تعزيز الأُلفة، وصِلة الرَّحم، وإصلاح ذات البَين، وليس زيادة استعار نار الخلافات والفِتنة.
في حادثةِ الإفكِ، استسهلت بعضُ النُّفوس الخوضَ فيما لا تعلم: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾، في ذلك درسٌ لكلِّ بيئة عمل وصداقة وعائلة: ليست كلُّ رُواية تُسمَع تستحقُّ أنْ تُنقَل، وليس كلُّ ظنِّ يصلحُ أنْ يتحوَّل إلى موقفٍ.
المشاعر تنتقلُ بالعدوى، وتُعرَف الشخصيَّات السامَّة من أثرها في النُّفوس والعلاقات أكثر ممَّا تُعرَف من ظاهر كلامها، فحضورها يخلِّف توتُّرًا، وحديثُها يوسِّع الجفاءَ، ولا يعينُ على إصلاح الخلاف.
في الختام، نستذكرُ قولَه تعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، وقولَ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أََلََا أَدُلُّكُم عَلَى أَفْضَلَ مِن درجةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدقةِ؟ قالوا: بَلَى يَا رسولَ اللهِ. قالَ: إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هِي الحَالِقَةُ. لَا أقولُ: إنَّها تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكنْ تَحْلِقُ الدِّينَ».