كتاب

للكلمة مجلس.. وللحوار أفق

كان يوم الأحد الماضي، 6 سبتمبر 2026م، يومًا مختلفًا بالنسبة لنا، نحنُ عضوات «صالون الكلمة الثقافي». ليس لأنَّه موعد انطلاقة الموسم الثالث فحسب، بل لأنَّه موعد العودة إلى حضور وفيٍّ ظلَّ حريصًا على لقاءات الصالون، واعتدنا نحنُ وجوده وشغفه بالكلمة والحوار.
بعد غياب امتدَّ طوال أشهر الصيف، كان للعودة طعمُ اللقاء بعد اشتياق. افتقدنَا تلك الوجوه التي صنعت بحضورها جزءًا من ذاكرة الصالون، وافتقدنا الأسئلة والمداخلات والحوارات التي لا تنتهي دائمًا بانتهاء الأمسية. لذلك حرصنا أنْ تكون عودتنا جديرةً بهذا الشوق المتبادل، وأنْ تبدأ بمساءٍ يحملُ ما نتمنَّاه للموسم كله من معرفة وحوار.

ولأنَّ البدايات تقولُ شيئًا عمَّا نريده للطَّريق، اخترنا أنْ تكون انطلاقة الموسم الثالث بضيفةٍ لها حضورها الفكريُّ والأكاديميُّ والصحفيُّ، الدكتورة عزيزة المانع، في قراءة لكتابها «الدَّولة الحديثة.. وتحدِّيات تنمية المرأة في المملكة العربيَّة السعوديَّة».
كان الكتابُ مدخلًا إلى أمسية لم تكن مجرَّد استعراض لما بين دفَّتيه، بقدر ما كانت قراءةً في رحلة مجتمع وتحوُّلاته، وفي مسافة قطعتها المرأةُ السعوديَّةُ خلال عقودٍ تبدَّلت فيها المفاهيمُ والأدوارُ والفرصُ.

ولعلَّ أجملَ ما في مثل هذه اللقاءات، أنَّها تُعيدنا إلى المعنى الحقيقيِّ للصالون الثقافيِّ، ذلك المكان الذي لا يكتفي باستضافة الأسماء، أو تقديم الموضوعات، وإنَّما يفتح للفكرة بابًا؛ كي تخرج من صفحات الكتب إلى فضاء الحوار، ومن تجربة صاحبها إلى أسئلة الحاضرِينَ.
فالكتابُ يُقرأ -عادةً- في عزلة، أمَّا حين يدخلُ إلى الصالون، فإنَّه يكتسبُ حياةً أُخْرى.
يسأل أحدُهم عمَّا لم يسأله المؤلِّف نفسه، ويلتقطُ آخرُ فكرةً ربَّما مرَّت عابرةً بين الصفحات، ويختلفُ ثالثٌ مع ما يسمعُ، ويضيفُ رابعٌ تجربةً عاشهَا. وهكذَا لا يعود الكتابُ ملكًا لمؤلِّفه وحده، بل يصبحُ، لساعات، مساحةً يلتقي فيها الجميع.
وهذا ما منح اختيار كتاب يتناول تنمية المرأة السعوديَّة، دلالةً تتجاوز موضوع الأمسية. فالحديث عن المرأة هنا ليس منفصلًا عن الحديث عن المجتمع؛ لأنَّ التحوُّلات التي طرأت على حياتها كانت جزءًا من تحوُّلٍ اجتماعيٍّ أوسع، تغيَّرت معه أنماط التعليم والعمل والأسرة والمشاركة في الحياة العامَّة.
والأجيالُ الجديدةُ التي وُلدت داخل هذا الواقع، قد تنظرُ إلى كثير من مكتسباته باعتبارها أمورًا طبيعيَّةً لا تستحقُّ التوقُّف عندها. وربَّما تكون إحدى وظائف الثقافة أنْ تحفظ ذاكرة التحوُّلات، لا لكي تثقل الحاضر بالماضي، وإنَّما لكي نعرفَ أنَّ المجتمعات لا تصلُ إلى ما تصلُ إليه مصادفةً، وأنَّ وراء كل تحوُّلٍ كبيرٍ أفكارًا وقراراتٍ وتجاربَ ومراجعاتٍ، وأحيانًا مواجهة طويلة مع مفاهيم استقرَّت حتَّى ظُنَّ أنَّها لا تتغيَّر. وهنا تتجلَّى قيمة الحضور أيضًا.
فالحضور في الصالون الثقافي ليس جمهورًا يأتي ليستمع ثم يغادر، وإنَّما شريك في صناعة اللقاء. بالسؤال والمداخلة والاختلاف والإضافة تتسع الفكرة، وربَّما يأخذُ الحوارُ المتحدَّثَ نفسه إلى منطقةٍ لم يكن ينوي الوصول إليها. وهذا الحضورُ الوفيُّ الذي يعود إلينا موسمًا بعدَ آخرَ هو ما يمنح اللقاءات روحها، ويجعلنا نشعرُ أنَّ بين الصالون وروَّاده علاقةً تتجاوز الدَّعوة وموعد اللقاء.
وخلف كلِّ أمسية -أيضًا- عملٌ لا يراه الحضورُ كله. فعضواتُ «صالون الكلمة الثقافي» شريكاتٌ في التفكير والاختيار والإعداد والتنظيم، وفي ذلك القلق الجميل الذي يسبقُ كلَّ لقاء: ماذا نقدِّم؟ ومَن نستضيفُ؟ وكيف نجعلُ الموسم الجديد مختلفًا عمَّا سبقه؟ فالعملُ الثقافيُّ، مهما ارتبط في الواجهة باسم أو شخص، لا يستمرُّ إلَّا بروح الفريق، والإيمان المشترك بقيمة ما يقدِّمه.
ونحنُ لا نحتاج اليوم، إلى مزيدٍ من الأماكن التي يتحدَّث فيها النَّاسُ، بقدر ما نحتاجُ إلى أماكنَ يتحاورُونَ فيها. لا يُشترط أنْ نتَّفق في نهاية كلِّ لقاء، فالاختلاف جزءٌ من حيويَّة الثقافة، وإنَّما المهم أنْ نستعيدَ القدرة على الاستماع، وأنْ نطرحَ السؤال، وأنْ نمنحَ الرَّأيَ الآخرَ المساحة التي نريدها لآرائنا.
وربَّما لهذا، ما زالت الصالوناتُ الثقافيَّةُ قادرةً على البقاء، رغم كل ما تغيَّر حولها من وسائل المعرفة والتواصل. فهي لا تنافسُ الكتاب، ولا الصحافة، ولا المنصَّات الرقميَّة، وإنَّما تمنحنا شيئًا أخذ يتراجعُ في حياتنا المتسارعة: أنْ نجلسَ معًا حول فكرة، وأنْ نُصغي إليها قبلَ أنْ نحكم عليها.
وفي زمن تتكاثر فيه الكلماتُ حتَّى تكاد تتحوَّل إلى ضجيجٍ، يبقى أجمل ما تستطيع الثقافةُ أنْ تفعله أنْ تعيدَ للكلمةِ معناها، وللحوارِ أفقه، وللإنصاتِ قيمته.

أخبار ذات صلة

النهاية المفاجئة
ما بعد كوفيد
حتى في المحلات.. ذابت التخصصات!
فإن هم ذهبت أخلاقهم.. ذهبوا
;
الجامعة التي تُموّل مستقبلها.. قوة للموارد الذاتية
الشخصية السامة
النصافي.. والذكاء الاصطناعي
من الإنسيكلوبيديا إلى HUMAIN.. كيف تغيرت حكاية المعرفة
;
المربي موسى السليم.. حكاية عطاء في ذاكرة التعليم
ما الذي يجري على الجبهة الإيرانية؟!
نفــــــاق
تسعير المخاطر في السوق السعودي
;
المملكة.. تستعرض تجاربها الناجحة أمام العالم
تفويض.. بلا تفويض!
ملهي بن سلامة (ابن الوطن البار)
السعودية وديناميكية الاستثمار وتبادل المصالح