كتاب

«حوار الأمن والتاريخ».. «الداخلية» تصنع جسور الوعي

بعض المؤتمرات تنتهي بانتهاء جلساتها، وبعضها يبدأ أثره الحقيقي بعد أنْ تُغلق أبواب القاعات. ومؤتمرُ «حوار الأمن والتاريخ» ينتمي -في تقديري- إلى النوع الثَّاني؛ لأنَّه لا يكتفي باستعراض تاريخ الأمن، بل يفتح حوارًا حول تجاربه وتحوُّلاته وأدواره، ويضع الأمن في سياقه الأوسع، تاريخًا ووعيًا وفكرًا وشراكة مجتمعيَّة.
واللَّافت قبل تفاصيل المؤتمر، هو حجم الفكرة نفسها، وحجم الرعاية التي تقف خلفها. أنْ تحتضن وزارة الداخليَّة مؤتمرًا بهذا المستوى، فذلك يؤكد أنَّ حضورها الوطني لا يتوقف عند مسؤوليَّاتها الأمنيَّة المباشرة، بل يمتد إلى الإسهام في الحراك الفكريِّ والثقافيِّ والإعلاميِّ والمجتمعيِّ، وصناعة مساحات للحوار والمعرفة وتبادل التجارب.

وهذه واحدة من النقاط التي تستحق الإشادة؛ فالأمن في عالم اليوم لم يعد ملفًّا محليًّا محدودًا، بل أصبح قضيَّة تتقاطع فيها التقنية والاقتصاد والسياسة والمجتمع والإعلام، وتمتد تحدِّياته من الجريمة التقليديَّة إلى الجرائم العابرة للحدود والإرهاب، الأمر الذي يجعل تبادل الخبرات والتجارب الدوليَّة ضرورةً، لا ترفًا معرفيًّا.
ومن هنا، فإنَّ أحد مسارات التطوير المهمَّة في النسخ المقبلة يتمثَّل في توسيع مساحة التجارب العالميَّة؛ فالاستفادة من تجارب الدول الصديقة والشقيقة في بناء المنظومات الأمنيَّة، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظَّمة والعابرة للحدود، وحماية المجتمعات، يمكن أنْ تضيف للمؤتمر بُعدًا دوليًّا أكثر اتِّساعًا، خصوصًا أنَّ المملكة راكمت عبر عقود تجربة مهمَّة في التعاون الأمنيِّ الدوليّ، وخدمة الأمن العالميِّ.

كما أنَّ تاريخ الأمن السعودي يزخرُ بشخصيَّات أمنيَّة استثنائيَّة تركت بصماتٍ واضحةً في مسيرته. وأحسب أنَّ حضور هذه الشخصيَّات، أو استضافة من عاصرُوا تجاربها وعملُوا معها، ضمن جدول متوازن يتوافق مع موضوعات النسخ المقبلة، سيمنح المؤتمر بُعدًا إنسانيًّا وتاريخيًّا مهمًّا، فالتاريخ لا تصنعه المؤسسات وحدها، وإنَّما يصنعه رجالٌ ونساءٌ تركوا أثرًا في مسيرتها.
ومن أبرز عناصر القوة في المؤتمر كذلك، الحضور الإعلامي اللافت، إذ لم يكن الإعلام مجرَّد ناقل للحدث، بل كان حاضرًا من خلال عدد كبير من الشخصيَّات الإعلاميَّة والوطنيَّة التي تمتلك تجارب وإسهامات مؤثرة. وهذا الحضور يعزِّز فكرة أنَّ الإعلام شريك أصيل في صناعة الوعي الأمنيِّ، وفي تحويل المعرفة المتخصصة إلى محتوى مفهوم وقريب من الجمهور.
وهنا ربَّما يأتي التحدِّي الأهم؛ وهو ماذا بعد المؤتمر؟ فالنجاح الحقيقي لا ينبغي أنْ يُقاس بعدد الحضور والجلسات فقط، وإنَّما بقدرة المؤتمر على إنتاج معرفة مستدامة. ومن المفيد أنْ تتحوَّل مخرجاته وأوراقه وأبرز النقاشات والتجارب إلى مواد إعلاميَّة ومعرفيَّة متاحة للجمهور، يمكن الرجوع إليها طوال العام، لتظل حاضرةً في الذاكرة حتى انعقاد النسخة التالية.
«حوار الأمن والتاريخ» تجربة تستحق الإشادة؛ لأنَّها تفتح نافذة مختلفة على الأمن، وتؤكِّد أنَّ بناء الوعي جزءٌ من حماية المجتمع، وأنَّ استحضار التاريخ ليس استدعاءً للماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل.
وحين تضع وزارة الداخليَّة الأمن على طاولة الحوار، وتستدعي التاريخ، وتفتح الباب للإعلام والفكر والخبرة الدوليَّة، فإنَّها لا تتحدَّث عن الماضي فقط... بل ترسم ملامح وعي أمنيٍّ أكثر اتِّساعًا للمستقبل.

أخبار ذات صلة

فتوق.. ورتوق!!
هيئة فنون العمارة والتصميم.. مسيرة رائدة
الجامعة الإسلامية.. جسر السعودية إلى العالم
النجاح وعذاب الروح
;
العسل.. وكلّه «أصلي»!!
ماذا أردد كل صباح..؟!
المدينة الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز.. نحو أيقونة للطب والتعليم
الاختناقات المرورية في جدة.. «الرياض» أنموذجًا
;
لا سينما عظيمة بلا خيال
تطوير أم نثيلة.. حين يحمي المشروع المكان
أمواج البحر.. طاقة تتحرك أمام أعيننا
الدورة الهرمونية للمرأة.. بيولوجية بحتة
;
الحوثي يختبر حدود الصبر السعودي
النهاية المفاجئة
للكلمة مجلس.. وللحوار أفق
ما بعد كوفيد