بين واقع وواقع
تاريخ النشر: 08 نوفمبر 2012 01:59 KSA
يخطئ كل من يريد أن يخضع الواقع لمنطق ومقتضيات الواقعية في الأدب والفن. الواقع يحتاج إلى كثير من الواقعية ليتمكن من مجاراة الآداب والفنون في واقعيتهما.
في الأدب والفن لا مكان للصدف، كل شيء هناك مرتب وخاضع لنظام دقيق وقانون صارم لا يمكن الخروج عليه، وإلا فإن العمل الإبداعي سيكون عرضة للنسف من الأساس.
في الواقع تلعب الصدفة دورًا كبيرًا ومصيريًا في حياة الأفراد.. ولأن الصدفة لا علاقة لها بالقوانين ولا تخضع لأي نظام، فإن الواقع يبدو عبثيًا في كثير من الأحيان لمن أراد له أن يسير وفق خط مرسوم بوضوح.
انطلاقًا من هذه القناعة نشأت مدرسة العبث أو اللا معقول في الأدب والفن، في محاولة من مؤسسيها لمجاراة الواقع في لا واقعيته. هذه المدرسة ثارت في وجه القوالب الأدبية والفنية المعروفة، وخرجت عن كل القواعد المنطقية للبناء الدرامي، لكن غلبة الرمز والإغراق في مجاراة اللا وعي والنزعة الوجودية التي جعلت من الأعمال العبثية موقفًا فلسفيًا رافضًا للواقع أكثر من كونها أعمالًا إبداعية تعبيرية، ساهمت جميعًا في تحول مدرسة العبث إلى صرعة أو موجة أدبية مؤقتة سرعان ما زالت؛ خصوصًا وأنها سمحت لكثير من المتطفلين وأصحاب أنصاف وأرباع المواهب، بركوبها لا لشيء إلا لعجزهم عن امتلاك الأدوات الكلاسيكية للإبداع.
بالمقابل فإن قالب الفانتازيا أو ما يطلق عليه البعض اسم الواقعية السحرية، حيث المزج بين منطق الأسطورة وواقعية الرؤية، نجح في البقاء. صحيح أن هذا القالب لم يتحول إلى تيار كاسح كما كان الحال مع التيار العبثي الذي سرعان ما اختفى، لكن بقاء هذا القالب يظل أمرًا حيويًا لمد المدرسة الواقعية بالقدرة على التجدد فيما يخص جانب الشكل.
العبثية حاولت تغيير وظيفة الأدب لتجره أكثر إلى الواقع. لكن من قال ان الأدب لا يمتلك واقعًا خاصًا وقادرًا على السير بمحاذاة الواقع نفسه؟!