عندما تتحوّل الديمقراطية إلى أيديولوجيا

عندما تتحوّل الديمقراطية إلى أيديولوجيا
تحدثت في مقالي الأخير عن الجناية المعرفية والأخلاقية التي نتجت عن إصرار الغرب الرأسمالي على إلحاق مصطلح الديمقراطية بخانة المُقدَّس.. وقلت بأن هذا التوجّه كان يهدف إلى تحقيق غرضين رئيسين: الأول هو إخراج مصطلح الديمقراطية من سياقاته المعرفية الدقيقة، وتحويله إلى مرجعية أخلاقية فضفاضة.. أما الثاني فيتلخص في تحضير الساحة الذهنية للتعامل مع الديمقراطية بعد إحالتها إلى نطاق المُقدَّس، ليس بوصفها أيديولوجيا مغلقة تدعي الكمال المعرفي والقِيَمي فحسب.. وإنما، وهذا هو الأخطر، تصنيف كل ما هو سواها ضمن خانة المُدنَّس. مما سمح لأمريكا بشن ما سُمِّي بالحرب على الإرهاب، والتي تضمنت غزو دولتين مستقلتين ذاتي سيادة، هما العراق وأفغانستان، باسم الدفاع عن الديمقراطية. أدلجة الديمقراطية سمحت للإمبريالية العالمية وماكيناتها الدعائية، ليس بتصنيف كل ما هو غير ديمقراطي ضمن خانة المُدنَّس فقط، ولكنها سمحت لها أيضاً، بتصنيف بعض نماذج الليبرالية الاشتراكية التي تعتمد نفس أدوات الليبرالية الرأسمالية في تداول السلطة، ضمن خانة المُدنَّس أيضاً. ومن يُراجع الموقف الأمريكي من نتائج الانتخابات الفنزويلية الأخيرة، سيُصاب بالدهشة من جرأة الأمريكيين على إعلان عدم اعترافهم بنتائج تلك الانتخابات، رغم عدم وجود أي شكوك في نزاهتها! هذا التوجه الخطير الذي يتمثَّل في تقديم المفهوم الرأسمالي للديمقراطية، كقيمة مطلقة ومعادلة لقيمة العدالة، هو في واقع الأمر انقلاب صريح على روح الديمقراطية، ومحاولة لاجتثاث جذورها التي تخلّقت داخل رحم الظاهرة العلمانية. وهو ما لا يفهمه كثير من ليبراليي الوطن العربي، إضافة إلى معظم ليبراليي منطقة الخليج. الديمقراطية هي التتويج العملي لقِيَم الدولة المدنية التي قامت كبديل عن الدولة الفاشستية. وهو ما يعني أن الديمقراطية منتج علماني، لا مكان فيه للإطلاقيات واليقينيات وادعاء الكمال المعرفي، إضافة إلى باقي خصائص الفاشستية الفكرية الأخرى، كادعاء امتلاك الحقيقة واحتكار الصواب، وإلحاق كل المختلفين بخانة المُدنَّس.. وبالتالي شرعنة أية حرب ممكن شنها ضد هؤلاء المختلفين! كل ما سبق يُوضِّح أسباب انحياز عدد غير قليل من ليبراليي العالم الثالث، إلى التوجهات الأمريكية، وخصوصاً فيما يتعلق بسياسات أمريكا الخارجية التي تهدف إلى الهيمنة، وتقوم على ازدواجية المعايير الأخلاقية. لقد نجح الغرب الرأسمالي في خلق شريحة واسعة من أنصاف المثقفين الذين يقومون بمهمة مزدوجة تتمثل في تلقي ومن ثم تسويق، النموذج الرأسمالي للديمقراطية باعتباره الحل، حالهم في ذلك حال التيارات التي ترفع شعار: الإسلام هو الحل، دون أن تُقدِّم خطاباً إسلاميًّا يحمل بذور التجديد التي يمكن أن تلهمه معالجة ما هو معاصر ومستجد، من قضايا وأزمات. خطاب الليبرالية الرأسمالية جنى على الديمقراطية، أكثر من جناية المنظومات الفكرية الفاشستية الأخرى عليها.

أخبار ذات صلة

من منح العقل والبصيرة
من القرش الأبيض.. إلى عيش اللحظة!
كيف يرمم التطوع مناعتنا الاجتماعية؟
وطن يشارك أبناءه الفرح
;
حـــــظ
رجال حول الأمير (2)
ميزان المصالح.. والمعادلة الحرجة
هكذا نضمن نجاح الموسم السياحي
;
"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا