إيران وتركيا : ذاكرة الإمبراطورية ما تزال عفية
تاريخ النشر: 04 يونيو 2013 07:51 KSA
تحدثت في مقال الأمس عن أن مفهوم المصالح الاستراتيجية يرتبط أكثر ما يرتبط ، بالأمم التي تمتلك مخزوناً إمبراطورياً داخل ذاكرتها . وقلت بأن مشاريع التمدد والهيمنة ومحاولات ملء الفراغ وخصوصاً بالنسبة للساحات الإقليمية ، هو توجه عفوي تمليه ما يسمى بحقائق التاريخ ومن ثم حقائق الجغرافيا والديموغرافيا، على هذه الأمم .
ومهما كانت اللافتات الأيديولوجية التي ترتفع من حقبة تاريخية إلى حقبة تاريخية أخرى ، مختلفة وقد تصل حد التصادم ، فإن التوجهات لا تختلف ، وغايات المشروع كذلك .
البارحة تحدثت عن ثلاث حقب في التاريخ الروسي الحديث ، ووضحت مدى تطابق الرؤية أو المشروع الخارجي ، بين ثلاثة أطراف تبدو في غاية التناقض ، وهم : القياصرة والشيوعيون ، وتيار الرئيس الحالي فلاديمير بوتين .
على الصعيد الإقليمي هناك أمتان اثنتان تمتلكان ذاكرة إمبراطورية ، هما الأمة الفارسية والأمة التركية . الشيء الذي يجب الانتباه إليه هنا ، هو أن الذاكرة الإمبراطورية لكل أمة من هاتين الأمتين ، ارتبطت بوجود صراع حاد على التمدد وبسط النفوذ مع الأمة الأخرى ، ابتداء بصراع الأكاسرة مع بيزنطة ، ومروراً بالصراع العثماني الصفوي مع ملاحظة أن أصول الصفويين تعود إلى آسيا الوسطى وبالتحديد إلى نفس أصول العثمانيين ، وانتهاء بالصراع المحتدم حالياً بين تركيا الأردوغانية التي تحاول على الأقل عبر أدبيات حزبها الحاكم ، إحياء حلم استعادة دولة الخلافة ، وبين إيران التي يحكمها نظام الملالي منذ أكثر من ثلاثة عقود .
ما لم يفهمه المراقبون الذين لا يعولون على ما يسمى بحقائق التاريخ كثيراً ، هو اندفاع الشعب الإيراني ممثلاً عبر جميع تياراته السياسية ومن ضمنها حزب تودة الشيوعي ، في الاشتراك في الثورة الإيرانية التي كانت واحدة من أضخم الثورات في القرن العشرين . أقول إن المراقبين الذين لا يمتلكون الوعي التاريخي الكافي ، لم يفهموا كيف ينضوي شيوعيو وليبراليو وقوميو إيران في تحالف حتى الموت ، تحت قيادة دينية ، لإسقاط نظام استطاع برغم كل مساوئه ، أن يضع أقدام إيران للمرة الأولى ، على طريق الحداثة ، وتمكن من تحقيق قدر كبير من الرخاء الاقتصادي لمواطنيه .
بالنسبة للأمة الإيرانية ، كانت الثورة تعبيراً عن رفض اللا وعي الجمعي للأمة ، وعن عدم رضاه على انكفاء إيران على نفسها ، واقتناعها بلعب دور الشرطي الأمريكي في المنطقة . لذلك جاء العقاب الشعبي سريعاً ، فكانت الثورة التي سرقها الإسلاميون فيما بعد واستحوذوا عليها كلياً ، بسبب الحرب الهوجاء التي شنها نظام صدام حسين على إيران .
ورغم كل الشعارات التي رفعها إسلاميو إيران بعد استيلائهم على الثورة التي جردوها من طابعها الشعبي حتى على صعيد المسمى ، حيث أطلق هؤلاء اسم الثورة الإسلامية على الثورة الشعبية ، فإن حكام إيران منذ ذلك الوقت وحتى الآن ، لم يتخلوا عن مشروعهم القومي الذي يهدف إلى تحويل إيران إلى قوة إقليمية عظمى على مستوى المنطقة . فما هي أساليب إيران لتحقيق هذا الهدف ، وما مدى درجة نجاحهم في تحقيق هذا المسعى ؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في مقال الغد إن شاء الله .