الجمعة الاستثنائية في تركيا

الجمعة الاستثنائية في تركيا
دعونا نرتب أجزاء المشهد المتناثرة حتى تتضح لنا الصورة بمختلف أبعادها ومن جميع زواياها : الحكومة التركية تتخذ قراراً بتحويل حديقة عامة بميدان تقسيم الشهير بمدينة إسطنبول ، لعدة أبنية من ضمنها مجمع تجاري .. بضعة مئات من الأتراك يتظاهرون ضد قرار الحكومة ، منددين بما وصفوه عبثاً بملامح المدينة العريقة ، وتجاوزاً سيفضي إلى الإضرار بالبيئة .. الشرطة التركية تقمع المتظاهرين السلميين بقسوة وتفرط في استخدام القوة ، مما يؤدي إلى مقتل شاب وفتاة على مدار يومين متتاليين .. رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان يترك البلاد وسط هذه الظروف ليقوم بجولة في دول المغرب العربي ، دون أن ينسى وصف المتظاهرين من مواطنيه بالأوباش والإرهابيين وأصحاب الأجندات الخارجية ، في فعل مستنسخ من سلوكيات الأنظمة العربية التي سقطت في نهاية مواجهاتها مع المعترضين سلمياً .. البورصة التركية تخسر ما يعادل ١٠ ٪ خلال اليومين الأولين من الاحتجاجات ، والليرة التركية تفقد ١٦ ٪ من قيمتها خلال نفس المدة ، في تطور فرض تساؤلات ملحة حول مدى صلابة الرخاء الاقتصادي الذي حققته حكومة الحرية والعدالة .. الولايات المتحدة تعرب عن قلقها البالغ من جنوح الشرطة التركية للإفراط في استخدام القوة .. أردوغان يقر بإفراط الشرطة في استخدام القوة ويعتذر .. الحكومة التركية التي سيطرت على الإعلام وتراجع مستوى الحريات الإعلامية في عهدها إلى درجة غير مسبوقة في تاريخ البلاد ، تقوم باعتقال عدد من المواطنين الأتراك الذين أيدوا الاحتجاجات الشعبية عبر موقع تويتر الإلكتروني .. أردوغان يعود في ظل استقبال شعبي من مناصريه وصل عدد المشتركين فيه إلى الآلاف .. خطاب أردوغان في جموع المستقبلين يستعيد نغمة الأجندات الخارجية والتطرف والتخريب المتعمد ، بل ويتجاوز كل ذلك إلى حد وصف المحتجين ، بالسفلة .. الاحتقان يتزايد ، وسط إصرار رئيس الحكومة على معالجة الوضع والتفاوض مع المحتجين ، عبر نائبه ، في فعل رآه البعض استعلائياً وزاد من شعور الشارع بالاستفزاز .. المتظاهرون يعاودون التظاهر والاعتصام ، والشرطة تعود إلى استخدام الغاز المسيل للدموع بالإضافة إلى خراطيم المياه لتفريق الحشود المعترضة .. عدد القتلى يصل إلى ثلاثة ، أما الجرحى فيرتفع إلى بضعة آلاف .. الأميركيون يصفون تركيا بأنها دولة ديمقراطية من الدرجة الثانية ، وعدد من دول أوروبا تعرب عن بالغ قلقها من أساليب القمع التي تتعامل الشرطة التركية بواسطتها مع المتظاهرين ، وتذكر أردوغان بأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع .. أردوغان يرفض وصف الأمريكيين لتركيا بأنها دولة ديمقراطية من الدرجة الثانية ، ويشن هجوماً عنيفاً على دول أوروبا واصفاً إياها بازدواجية المعايير .. وأخيراً فقد هدد أردوغان في خطابه الذي ألقاه الأحد الماضي وسط حشود من مناصريه ، بأنه قد يلجأ إلى دعوة أنصاره للنزول إلى الشارع يوم الجمعة القادم . ويبقى السؤال : هل سيستطيع أردوغان إرضاء حليفه الاستراتيجي في واشنطن ، ويتمكن من الحفاظ على النموذج الإسلامي القائم على الرخاء الاقتصادي والتعددية السياسية ، أم أنه يتجه بالبلاد إلى المجهول ؟ ربما يحمل الجمعة القادم إجابة لهذا السؤال .

أخبار ذات صلة

من منح العقل والبصيرة
من القرش الأبيض.. إلى عيش اللحظة!
كيف يرمم التطوع مناعتنا الاجتماعية؟
وطن يشارك أبناءه الفرح
;
حـــــظ
رجال حول الأمير (2)
ميزان المصالح.. والمعادلة الحرجة
هكذا نضمن نجاح الموسم السياحي
;
"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا