في الرد على المنكرين على العلمانية
تاريخ النشر: 25 أكتوبر 2014 02:37 KSA
في الأسبوع الماضي نشرت مقالاً عن العلمانية كتبت فيه أن العلمانية منهج فكري لم يطرح نفسه كبديل للدين ، لأنه لم يضع الأمور الغيبية ضمن اهتماماته من الأساس .
كما أنني تحدثت عن كون العلمانية واحدة من أهم النقلات في تاريخ البشر ، لأنها رسخت المنهج العلمي كأداة وحيدة للتعامل مع معطيات الواقع ، مما تسبب في هذه الطفرة العلمية التي نعيش في ظلها ، والتي ابتدأ تأثيرها يظهر ويسيطر حد الطغيان على حياة البشر ، منذ عصر الثورة الصناعية .
مجموعة من القراء انتقدت مقالي من منطلق إيمانها بأن المنهج الغيبي الذي قالوا بأن الإسلام قدمه ، هو منهج متكامل . لكن ما لم تنتبه إليه هذه المجموعة من القراء هو إن الإيمان بالغيب شيء ، وأن المنهج الغيبي شيء مختلف بالمرة .
الغيب حسب اللغة هو كل ما غاب عن الإدراك الحسي ، لذلك لم يطالبنا القرآن بالاقتناع بالغيب بل بالإيمان به .. والإيمان يعني التصديق غير المشروط لما يقع خارج دائرة المُدرَك حسياً .
بالمقابل فإن المنهج الغيبي كما قلت مراراً ، هو منظومة معرفية مغلقة على الإطلاقيات واليقينيات .. أي أنها منظومة معرفية تدعي امتلاك الإجابات النهائية عن كل الأسئلة ، بما في ذلك الأسئلة المتعلقة بالواقع . وعليه فإنها تتعامل مع كل ما في الواقع استناداً إلى أفكار مسبقة وثابتة ولا مجال لمناقشتها . على العكس من المنهج العلمي الذي يسعى لاكتشاف ما هو غير معلوم ، من خلال الإقرار بالجهل به قبل كل شيء .
على سبيل المثال فقد قدم شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ، تفسيرات غير علمية لمختلف ظواهر الطبيعة مدعياً أن ما يقوله حقيقة مطلقة . لكن العلم أثبت بأن كثيراً مما ذهب إليه الطبري وأمثاله من المفسرين بالأثر فيما يخص ظواهر الطبيعة ، لم يكن صحيحاً بالمرة .
في تفسيره للقرآن ، ادعى الطبري أن الرعد عصي بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب ، وأن البرق مخاريق توخز الملائكة بها السحاب . هذا التفسير الذي أثبتت حقائق عدم صحته ، ليس تفسيراً قرآنياً لظاهرتي الرعد والبرق ، بل هو أحد منتجات المؤسسة الدينية التي يمثلها في هذا المجال ، الطبري وبقية المفسرين بالأثر . أما القرآن نفسه فقد اكتفى بالإشارة إلى وجود مثل هذه الظراهر في عالم الشهادة ، دون أن يفسرها ودون أن يتوقف عن تحفيز الإنسان على اكتشاف السنن ( قوانين الطبيعة ) التي لا سبيل لاكتشافها إلا بالعلم .
المنهج الغيبي لا يعني الغيب ، بل يعني عدم تتبع الأسباب المادية عند التعامل مع الواقع . وهنا تكمن الكارثة .