المقرّر الدراسي: ذلك الثقيل المُـفتَقدْ
تاريخ النشر: 03 سبتمبر 2015 02:00 KSA
أن يكون هناك عوائق متكررة، تقف في طريق توزيع الكتب المدرسية في موعدها المفترض، فهذه حتمًا مشكلة بحاجة إلى حلٍّ حاسم، إلاَّ أنَّ ما يزيد من فداحة المشكلة، هو تضخيمها إلى درجة الهلع والارتباك والضياع. مقولات أن تأخـُّر وصول الكتب للمدارس سوف يتسبّب في تعثّر الطلاب في الدراسة، وأنّه قد أصابهم بإحباط شديد، أو أن الفصل الدراسي بأكمله سيضيع بلا جدوى، أو أن الوزارة قد فشلت في تذليل الصعاب أمام طلابها، كلّها تصوّر حالة اللا توازن في غياب الكتاب، وكأنّه المرساة التي تثبت عقل الطالب، فلا يتوه في خضم عميق. كيف يمكن أن يعطّل غياب الكتاب لفترة وجيزة سير الدراسة؟ هل من المعقول -ونحن في هذا الزمان- أن نُعدم وسيلة مبتكرة لعرض المعلومات على الطلاب خارج أغلفة الكتاب؟ كل هذا التخبّط بحثًا عن المقرر المنهجي دفع المنتظرين إلى النسخ والتصوير، وهذه وسيلة ناجعة وميسّرة، وما كان اعتراض الوزارة إلاّ على تكليف الطلبة ماديًّا للحصول على نسخهم، أمّا فكرة النسخ فلا بأس بها.الناس مرتبكون، والبدائل التي وضعتها الوزارة متوفرة وصالحة لتسيير الأمور إلى أن تصل الكتب، وبعد أن تصل، فقد تم رفع جميع المقررات المدرسية لكل المراحل إلكترونيًّا على موقع الوزارة؛ ليصبح الدرس الإلكتروني رديفًا للمقرر المطبوع، كما أنها قامت بطبع جميع المقررات على أقراص مدمّجة لتوزيعها على الطلاب، وهي تقدّم خدمة الفصول الافتراضية من خلال قنوات تلفزيونية تعليمية لتساند التعليم الممنهج داخل الفصول. المادة التعليمية إذًا متوفرة، والمدرّسون يقفون في الفصول ليشرحوا ويفصّلوا، فما معنى هذا التعلّق الشديد بالكتاب المطبوع، والاعتماد التام عليه وحده؟في جميع مراحل الدراسة عندنا لا يتعلّم الطالب أن المعلومة لا يمكن أن تنحصر في كتاب واحد، ولا يعلم شيئًا عن معنى تنوّع المصادر التي يمكنه أن يستقي منها المعلومة، ولا يعرف كيف يصل إليها خارج حدود ما يلقنه إيّاه المدرس طبقًا لما جاء في الكتاب المقرر. يحتاج التلقين إلى مصدر واحد مُحكم لا يحيد عنه الدارس، يكرر الملقن على مسمعه ما يقرأه حرفيًّا، ثم يطالبه بإفراغ ما تم شحنه به في ورقة الإجابة. الكتاب المقرر هو المصدر، وهو المرجع، وهو الحكم، لذلك يرتبك المدرس والطالب إن تأخر عن موعد وصوله ولو لأيام. حين يصل الطالب إلى الجامعة يكتشف البعد المأساوي لتشبثه بالكتاب الواحد، وبالمنهج المحدود، وبما سوف «يدخل في الامتحان»، فيقضي سنوات الدراسة محاولاً أن يتعلم كيف يعتمد على نفسه في الاطلاع على مصادر معرفة متعددة، وكيف يكوّن لنفسه منهجًا ومنظورًا ورؤيةً. من الطبيعي أن يذعر المدرس والطالب وأهله لتأخّر الكتاب، فالتدريس لا يرتكز على الاستيعاب القائم على الفهم العام، ولا على القدرة على تسجيل الملاحظات والنقاط الرئيسة، ولا على البحث عمّا يدعم أو يناقض ما تم استيعابه. ولأن الوزارة تدرك تعلّق المدرسين والطلاب بالكتاب، فهي ما فتئت تزيّنه بالرسومات والألوان، وتتخمه بالمعلومات المزدحمة، وتضخمه بمئات الصفحات، حتى أصبح عبئًا ثقيلاً على العقول، والقلوب، والأكتاف، وسلسلة الظهر. كلّما تطلّعنا إلى تطوير المناهج يطالعنا المزيد من الألوان والمعلومات والصفحات، ويبقى الطالب حبيس الكتاب مضغوطًا بأثقاله. ولا يكفي أن يتعلّق الطالب بالكتاب المدرسي تعلّقه بطوق نجاة، وإنّما لا بد أن ينتظره بهلع بداية كل عام، ويحافظ على غلافه الملوّن الفاخر بتغليفه بالنايلون الشفاف، ثم يحمله منهكًا ذهابًا وإيابًا، ليقذف به في نهاية العام في حاويات الزبالة.