فيلم (محمد): من الشجب إلى الترويج

فيلم (محمد): من الشجب إلى الترويج
من فترة إلى أخرى نجد أنفسنا أمام أزمة من نوع محدد، تتكرر بحذافيرها، وتستفزنا لنتعامل معها، وفي كل مرة تُعرض علينا، تثير غضبنا، وتضطرنا لاتّخاذ موقف تجاهها: هي أزمة الإساءة إلى الإسلام، وإلى حضرة النبيّ الموقّر. حين يخرج علينا شخصٌ ما برأي مستنكَر، أو بفعلٍ مستهجَن، أو بعملٍ فنيٍّ أو أدبيٍِّ مخالفٍ لفقهنا وثوابتنا، تثور ثائرتنا فنفعل شيئًا يُظهر للعالم أننا كمسلمين لا نرضى بتلك الإساءات. آخر هذه الأزمات واجهنا بها فيلم (محمد رسول الله) للمخرج الإيراني مجيد مجيدي، الذي أوضح أن هدفه في الفيلم هو أن يغترف قطرة من بحر الرسول الكريم، ويعرّف العالم بشخصه وأخلاقه النبوية الحقّة. الفيلم يبدو غير مُسيء لمقام الرسول الكريم، لكنه في هذه الحالة يجرؤ على تجسيده، وفي ذلك مخالفة لرأي الجماعات الفقهية؛ لأن التجسيد يتعارض مع احترام الرسول وتوقيره.ثم بدأ التحرّك للنصرة، فخرجت البيانات المتحفّزة شديدة اللهجة من كل المؤسسات الفقهية تندد، وتستنكر، وتهاجم، وتعترض، وهذا طبيعيٌّ، فنحن أمام نفس القضية المتكررة. ورغم كل هذه البيانات تمَّ عرض الفيلم في دور السينما الإيرانية، وسبقه عرض في الافتتاح الرسميّ لمهرجان «أفلام العالم» في مونتريال بكندا، وستعرضه تركيا، ودول أخرى.دعونا نراجع بعض المواقف المماثلة، لنعرف إن كانت القضية المتكررة وردّ الفعل المتكرر يقود بالضرورة لنفس النتيجة. في بداية هذا العام قامت الدنيا حول الهجوم الإرهابي على مقر مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة، والقضية قديمة ظللنا نعارض فيها الرسوم المسيئة التي بدأتها صحيفة «يولاندس بوستن» عام 2005 في الدنمارك. كانت الاحتجاجات عنيفة لكن لم يقابلها سوى العناد والإصرار الذي أدّى إلى مواصلة نشر الرسوم، وتوفير الصحيفة بـ16 لغة، ومليون نسخة حول العالم. اليوم تقول جهات نقابية وسياسية في الدنمارك إنها تعتزم إدراج الرسوم المسيئة للنبيّ صلى الله عليه وسلم في المناهج الدراسية، كما تنافس البائسون في رسم المزيد من الإساءات، حتى في أمريكا، حيث أقامت باميلا جيللر صاحبة مؤسسة المبادرة الأمريكية للدفاع عن الحريات مسابقة لأفضل رسم مسيء للرسول، وقدمت جائزة بـ10.000 دولار. منذ اعتراضنا على فيلم «الرسالة» الذي وجد طريقه إلى القنوات التلفزيونية بسلام، أعدنا ذات السيناريو مع سلمان رشدي وروايته آيات شيطانية؛ حتى أن آية الله الخميني نفسه قد أهدر دمه، فكانت النتيجة أن ملكة بريطانيا منحته رتبة فارس، وانهالت عليه التكريمات، وظل اسمه لامعًا مع المرشّحين لجائزة نوبل كل عام، وازداد رواج الرواية الضعيفة. وهذا ما فعلناه مع القس الأمريكي تيري جونز حين هدد بإحراق نسخ من القرآن الكريم، فانتهى به الأمر إلى إحراقها، رغم كل المحاذير، بل استمر وغيره في التهديد بمزيد من الحرق احتجاجًا على أيّ شيء. وصحيح أن «أرناود فان دورن» أحد المشاركين في الفيلم المسيء للرسول قد أعلن إسلامه رسميًّا، إلاَّ أن الفيلم ما زال متداولاً، ولن يرتدع غيره عن معاودة الكرّة.ذلك الفيلم لم يكن مسيئًا فقط، بل كان في غاية السوء؛ حتى أنّه لم يكن فيلمًا بالمعنى الحقيقي، ولم يحظَ بأدنى شهرة كونه شديد الرداءة والسذاجة، لكن المظاهرات الغاضبة ضده، والمطالبة بالقصاص هي التي ألقت عليه الضوء، وجعلت منه شيئًا مذكورًا. كل الأعمال محل الاعتراض والشجب والتنديد لم تتوقف، بل ربما أعطاها الرفض والغضب وهجًا ترويجيًّا صاخبًا، وربما جاءت النتائج في أحيان وخيمة. أَمَا آن لنا أن نتوقّف، ونتأمّل، ونراجع طرقنا وأساليبنا في التعامل مع أزمة التجسيد والإساءة، علَّنا نتمكَّن من تحقيق أهدافنا ولو مرّة، ودون خسائر؟!

أخبار ذات صلة

من منح العقل والبصيرة
من القرش الأبيض.. إلى عيش اللحظة!
كيف يرمم التطوع مناعتنا الاجتماعية؟
وطن يشارك أبناءه الفرح
;
حـــــظ
رجال حول الأمير (2)
ميزان المصالح.. والمعادلة الحرجة
هكذا نضمن نجاح الموسم السياحي
;
"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا