مرحلة الشتات من التيه العربي
تاريخ النشر: 17 سبتمبر 2015 00:15 KSA
في كتابه: (لا بد أن يرحلوا)، كتب الحاخام الإسرائيلي المتطرّف مائير كاهانا عام 1980: «في كل يوم يزداد عرب إسرائيل ليصبحوا أغلبية.. فهل يمكن أن نسمح للديموغرافيا والجغرافيا والديموقراطية أن تدفع بإسرائيل إلى الهاوية»؟ ولم يرَ كاهانا مخرجًا لهذه الأزمة سوى أن يكون الإسرائيليون هم الأغلبية، لذا فلن يكون هناك سوى حلٍّ واحد: ترحيلهم عنوة من الأراضي الإسرائيلية.وتجد فكرة الموازنة بين سكان إسرائيل لصالح اليهود أصداء قديمة في كلمات إسحاق رابين عام 1976: «يجب أن يكون أغلبية سكان الدولة اليهودية من اليهود، وعلينا أن نتصدّى بقوة لعدم وجود أعداد كافية منهم ليكونوا أغلبية». ما حدث وما يحدث في فلسطين هو مأساة التهجير، والتهجير المعاكس، طرد العرب، وتوطين اليهود من أنحاء العالم، تجميع اليهود من شتاتهم، وتشتيت العرب في بقاع الأرض، ثم التوسع في المزيد من الأراضي التي يُنفى أهلها ليستوطنها المحتلون الجدد. حركة لا تهدأ في سبيل تكثير اليهود، وتقليل العرب، ثم التمدد واستمرار الإفراغ والتعبئة. وهكذا تكبر إسرائيل بيهودها المهجّرين، وتضيق فلسطين بأهلها المشتتين.مشروع إسرائيل الكبرى هو حلم اليهود الذي كانوا -وما زالوا- متمسكين به، وساعين إلى تحقيقه، وهذا ما كشفت عنه خطط وخرائط عدة (خطة أودد ينون، خريطة برنارد لويس، كونداليزا رايس ومشروع الشرق الأوسط الجديد، خريطة الكولونيل رالف بيتر، خريطة جيفري جولدبرج، وخريطة نيويورك تايمز2013)، هذا الطرح المتكرر يكشف عملية التوسّع الإقليمي الإسرائيلي من النِّيل إلى الفرات القائمة على إضعاف وتفكيك وتقسيم الدول العربية المجاورة؛ لتصبح إسرائيل قوة إمبريالية إقليمية.وفي السياق الحالي، فإن خروج السوريين من أراضيهم، ومن قبلهم العراقيين والليبيين كسابقيهم من الفلسطينيين، إنما هو تهجير قسري، وإن لم تقم به إسرائيل مباشرة. عندما تصبح الحياة مستحيلة في الوطن المتهالك الذي يهدده البعبع الداعشي، فلا بد من الرحيل، والبحث عن ملجأ أكثر أمانًا، وعندما تبدأ إسرائيل في التوسع لتبتلع المزيد من أراضي العرب فلا بد من أن يرحلوا منها ويتركوها لقمة سائغة لها. نفس المطامع ونفس الآلية تكررها إسرائيل، وهي تكتسح الأراضي العربية واحدة تلو الأخرى: إخلاء واحتلال، إحلال واستيطان.يبتعد السوريون مكرهين عن بلادهم، فتشجعهم أوروبا وتستقبلهم بكرم دعائي، ودفء إعلامي كبير، تفتح ذراعيها لهم أمام الكاميرات ثم تشتتهم في أرجائها وتقتسمهم متأففة حصصًا محتجزة خلف الأسلاك الشائكة لترمي لهم بقطع الطعام، وتمتهن كرامتهم. وتشتد الوقاحة بتلك الدول المستقبلة للاجئين العرب، فتوجه اللوم لباقي الدول العربية وتعيّرهم بأن السوريين لجأوا إليها، وتركوا بلاد الجوار التي رفضت استقبالهم. تتجاهل أوروبا وإعلامها المُغرض أن ملايين السوريين قد تم احتضانهم من قبل إخوتهم العرب، فالسعودية وحدها تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين على مستوى العالم، لكنها لم تضخم أو تتفاخر ولا طبّلت لنفسها، فهي ترحب بأخوة نزلوا على أرضهم ضيوفًا مكرّمين. بعد كل هذه الخطط والخرائط والدسائس الإجرامية في حق العرب يطلق الإعلام الغربي الموجّه فرية أن الخليج يوصد أبوابه أمام السوريين، بينما يتبجح روبرت فيسك بقوله إن اللاجئين السوريين يتوجهون إلى أوروبا لأنهم يعرفون أن «فكرة الإنسانية لا تزال حيّة في أوروبا»!!عن أي إنسانية تتحدث يا سيد فيسك؟ أهي تلك الإنسانية التي «تقتل القتيل وتمشي في جنازته»؟