يعني أطير؟!
تاريخ النشر: 19 مايو 2016 03:56 KSA
فوق المتن الخلفي للسيارة التي أمامي؛ وضع صاحبها مُلصقًا عليه عبارة «يعني أطير؟» ، والتي تنطق بحال الكثير من السائقين الخارجين إلى معمعة الشوارع متأهبين للصراعات الشرسة على أحقية البقاء على الطريق. الخط أقصى اليسار هو حق خاص للمستعجلين والذين يعتقدون أنهم وحدهم المهمون جدًا وحياتهم مليئة بالتزامات جادة وحيوية لا تسمح لهم بالتلكؤ والبطء اللذين يتّسم بهما غيرهم من الناس العاديين المتسكعين في الشوارع بلا هدف ولا معنى. لذلك فهم لا يفهمون أبدًا كيف يجرؤ واحد من هؤلاء المتطفلين على الوصول لهذا المسار الخاص بهم.إن نسيت نفسك وقدّرتها فوق قدرها وتخطّـيت حدودك بالسير في أقصى اليسار فستنقضُّ عليك سيارة صاحب الخط ومالكه الأصلي الذي ينبري لإخراجك منه بكل ما أوتي من وسائل، يبدأها بالمطاردة العنيفة حتى يكاد يلتصق بك من الخلف لينزعك من أمامه نزعًا، فتحاول أن تسرع لكن هناك سيارة أمامك تحكم سرعتك. بينك وبين من خلفك شعرة، لكنه لا يكتفي بهذا التقارب الخطير، بل يبدأ في رفع أضواء سيارته ليحجب الرؤية عن عينيك، ثم في تغميز الضوء بين رفع وخفض ليشعرك أن بودّه أن يصفعك لو لم تغادر موقعك بسرعة ليحتله من هو أهل له. تنظر إلى يمينك مسالمًا مستسلمًا علّك تجد فجوة تسمح لك بالانتقال للمسار المجاور، لكنه ممتلئ تمامًا، وتظلّ تتحيّن الفرص، لكن الذي وراءك يكاد يصدمك ويجبر سيارتك على الانتقال وأضواء سيارته تكشح بياضها في بؤبؤ عينيك، ثم ها هو يحرك وسيلة أقوى يصمّ بها أذنيك، فيده الآن تضغط على زرّ البوق بغلظة فيربكك الضجيج والإعلان لكل السيارات أن هناك مَن يُعيق حركة السير ويُعطِّل الناس المهمّين عن أداء مهماتهم المهمة جدًا، وأن عليك الخروج من طريقهم الآن حتى لو تسبّبت في حادث.يعني أطير؟ هي عبارة تدل على ضيق كل سائق سيارة تعرّض لمواقف الطرد الفظّة من طريق عام، ليس لأنه بطئ أو لا يُجيد القيادة، فقط لأنه غير مهمّ في نظر سائق آخر يرى أنه صاحب الحق الأوحد في شوارع ورثها عن والديه، أو أنه أكثر الناس قيمة ومقامًا، وطبعًا هناك السبب الأوجه، وهو أن لدى سائق المسار أقصى اليسار قناعة راسخة بأنه هو الأكثر براعة في قيادة السيارات، بل هو أفضل قائد سيارة عرفه الزمان. ونحمد الله على نعمة زجاج النوافذ الحاجز للصوت والذي حمى آذاننا من سيول اللعن والشتائم المُهينة التي تستدعي كل أنواع الحيوانات لوصم السائقين الجاهلين بفنون القيادة ومهاراتها، خصوصًا أولئك الذين يقـلّون النساء في المقاعد الخلفية.يعني أطير؟ الرد على هذا السؤال التقريري في كثير من الأحيان هو: لا يهمّني أن تطير، أو تصطدم، أو تنقلب بك السيارة، فقط انقلع عن طريقي، عن شارعي، عن مساري. هذا الحق الخاص فيما هو حق عام يظهر لك بوضوح حين تحاول قطع طريق خال ليس به سوى سيارة واحدة قادمة من بعيد وسرعتها تسمح لك بالقطع، فما أن تدير عجلات سيارتك في الاتجاه المراد؛ حتى تُفاجئك تلك البعيدة بانطلاقها بسرعة فائقة وهي تزمجر غضبًا من تعدّيك على حقوق تملك سائقها للشارع الذي خطط للسير فيه من قبل دقيقة من الزمان ونصف كيلو من المكان.في أمريكا.. هناك شوارع خلفية تتقاطع عند إشارة صفراء اسمها (Yield right of way)، أي «اترك لغيرك حق الطريق». عند ذلك التقاطع تقف السيارات القادمة من أربعة اتجاهات لانتظار دورها وأصحابها يتبادلون بروتوكولات الأدب والاحترام للآخر، وكل منهم يشير لغيره بأن يتقدم عليه ويتفضل ليأخذ حق المرور، كل ذلك ووجوههم مبتسمة ونفوسهم راضية. يعني أطير؟!.