الحج في عيون الغرب
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، بهذا الدعاء العظيم الجليل، يفتتح المسلمون اليوم عيدهم الأكبر، بهذا التكبير العظيم يكبّرون الله ويحمدونه على أن جمعهم على هذا الدِّين العظيم، الذي جمع أصحاب الألسنة المختلفة، والألوان المتعددة، والجنسيات المتباعدة على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. إن في الحج كنوزًا ونفائسَ من المعاني التي لا يمكن أن يدّعي أحدٌ الإحاطة بهما، ولا زالت العقول كل يوم تقف متأملة بغية استكشاف الجديد، وكلّما اكتشفت جديدًا أيقنت أنها ماتزال في بدايات الطريق. فآيات الله الدالة على خلقه مبثوثة في كل مكان، وكل جزء من الكون. والحج بأركانه وواجباته وسننه يفيض بالآيات الدالة على خالق الكون العظيم. هذا التجمع الهائل لهذه الأجناس المختلفة في هذه البقعة المحدودة لفت نظر علماء الاجتماع، وعلماء السياسة في بلاد الغرب والشرق، ما جعلهم يعيدون النظر فيما أتوا به من نظريات عن التجمعات الإنسانية، ويقومون بتطويرها، وفقًا لما شاهدوه في الحج. فهذا هو العالم البريطاني فيكتور تيرنر عالم متخصص في علم الإنسان، وعَلَمٌ مرجعيٌّ في شعائر الحج، ورائدٌ في دراسات الحج المقارنة، الذي وضع نظرية (التشارك) التي تذهب إلى أن الاعتقاد المثالي بأن البشر جميعهم مترابطون بأواصر من التماثل الجوهري الذي يتخطّى كل ما يمكن أن توفره الثقافات من تعاليم تتصل بوجود اختلافات في طبيعتنا واهتماماتنا. ثم قام بتطوير نظريته تلك وسمّاها (التشارك البنيوي)، ويقصد بالبنية تمثُّل الحاجة الإنسانية للصون والحفظ، والتشارك يمثل الحاجة الدائمة للنمو والتطور، أمّا البنية التشاركية فهي حصيلة اجتماعهما معًا. وكان تيرنر مبهورًا بالحج، ويرى أنه ظاهرة لا يمكن كبح جماحها، مؤكدًا أن الحج يولّد تشاركًا خاصًّا يتمثل في السعي الدائب إلى تحقيق المثل المترفعة على الوجود المادي التي تملأ قلوب ونفوس البشرية. فالحج في نظره رؤية إنسانية، ذات جاذبية عالمية النطاق، وهو مجموعة من المطالب الداعية إلى المساواة. ولنتأمّل ما قاله المفكر (جلال أحمد) الذي كان يرى في الحج الذي يفعله المسلمون مهزلة كبرى، فلمّا ذهب ورأى الحج على حقيقته، وفهم معانيه، وقرأه قراءة واعية سجّل شهادته في مذكراته التي أورد فيها قصة رحلته من الضلال إلى اليقين، إذ قال: (ذهبتُ إلى مكة في فترة الحج؛ لكي أحضر المهزلة الكبرى التي يعيشها المسلمون في كل عام، في هذه الفترة من السنة، ولكنني فوجئتُ واندهشتُ بشدة حينما شاهدتُ تلك الجموع الهائلة المتراصّة والمتّحدة، تمارس تلك الممارسات في هيبة وجلالة، وبكل تأدّب وخشوع، وهي في أتم المودة والمحبة فيما بينها، فرجعتُ من مكة وأنا على يقين يأتيني قد شهدت أعظم مناسبة يعيشها المسلمون في كل عام في هذه الفترة من السنة). هذا التجمع العظيم قد أدار أعناق السياسة العالمية، ولفت نظرها أيضًا، حيث أخذت تتوجس خيفةً من هذه الوحدة العظمى للمسلمين، وشرعت في إرسال مستشرقيها لدراسة هذه العبادة، وأثرها في المجتمعات الإسلامية، وخطرها على العالم الغربي، مع طرح الخطط لإعاقة مثل هذه التجمعات الداعية للوحدة، ومن أشهر هؤلاء المستشرقين الهولندي (سنوك) الذي ذهب للحج، وكتب رسالته الدكتوراة عن (الحج)، وعلى نتائجها وتوصياتها ودراساتها، وضعت إستراتيجية في جنوب شرق آسيا لمواجهة رحلة الحج التي كان من أعظم وأخبث خططها تخويف الناس من الأمراض، ونشر الشائعات عن انتشارها، والتخويف من خطورة الطريق، وتشجيع القرصنة، وقد تأثرت الحملات في بلاد الهند بمثل هذه الشائعات، حتى أنها توقفت لفترات، إلى أن قام بعض المصلحين بتصحيح الوضع، وتنبيه الناس إلى مثل هذه الخطط الماكرة. أما آن لنا أن ننتبّه لمثل هذه الشائعات، وأن نفقه المعاني الجليلة التي يرمي إليها هذا الركن العظيم، ونتشرّب معنى الوحدة فيه؟ هذا المعنى لو تمثلناه، وعملنا به، لما اختلفنا يومًا، ولم تضعف شوكتنا أبدًا.