كتاب

مدن التعلم في طيبة.. تجربة وطنية ورسالة حضارية

في زمن تتسارع فيه التحوُّلات المعرفيَّة وتتصاعد فيه رهانات التنمية البشريَّة، لم تعد المدرسة جدرانًا تحتضن الحصص الدراسيَّة فحسب، بل أصبحت مركزًا نابضًا للتعلُّم مدى الحياة، ومختبرًا اجتماعيًّا لصناعة الوعي وبناء الإنسان. ومن هذا المنطلق، تمضي الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنوَّرة بخطى واثقة في تفعيل مبادرة مدن التعلُّم بوصفها إطارًا حضاريًّا يعيد تعريف دور التَّعليم في خدمة المجتمع، ويجعل من المعرفة جسرًا للتنمية المستدامة.

وقد حظيت هذه المبادرة بدعم كريم ورعاية مباركة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان أمير منطقة المدينة المنوَّرة الذي جسَّد دعمه بتدشين شعار مدن التعلم في المدينة المنوَّرة، إيمانًا من سموِّه بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأنَّ المدينة التي تحتضن المسجد النبويَّ الشريف جديرة بأن تكون نموذجًا عالميًّا معرفيًّا وقيميًّا ومهاريًّا بمعايير جودة عالية وفائقة الجودة والإتقان.


إنَّ مفهوم مدن التعلم وفق أطر اليونسكو، يقوم على تعزيز التعلم مدى الحياة، وتوسيع فرص التعليم النظامي وغير النظامي، وتكامل الجهود بين المؤسسات التعليميَّة والمجتمعيَّة. وفي هذا السياق، أثبت تعليم المدينة المنوَّرة تميُّزًا في تحقيق معايير جودة التعليم، من خلال مخرجات تعليميَّة نوعيَّة، وبرامج تستجيب لحاجات المجتمع، وتُفعل مرافق المدارس لخدمته خارج أوقات الدوام الرسميِّ، في مشهد يعكس كفاءة الإدارة وفاعلية الشراكات.

ومن نماذج المدارس المضيئة في هذا المسار تجربة مدرسة ثانوية الأميرة نورة بنت عبدالرحمن الفيصل بقيادة المديرة المتميِّزة أ. هدى السميري والحاصلة على جائزة التربوي المتميِّز في جائزة الشيخ حمدان بن راشد للأداء المتميِّز، هذه القائدة قدمت تقريرًا نوعيًّا يجسِّد روح مدن التعلُّم من خلال مبادرات رائدة أبرزها مبادرة نور من الحرمين، التي عزَّزت الانتماء الوطني والوعي بدور المدينة الدينيِّ والحضاريِّ، وربطت الطالبات برسالة المكان وقدسيته، في سياق تربويٍّ يعمِّق الهويَّة ويصقل الشخصيَّة.


كما برزت مبادرة (بداية حرف) وهي مبادرة تعليميَّة مجتمعيَّة تُنفذ في المدارس خلال الفترة المسائيَّة، وتهدف إلى تمكين غير السعوديين من الأميين من مهارات القراءة والكتابة الأساسيَّة، مع التركيز على القراءة الوظيفيَّة المرتبطة بالحياة اليوميَّة بما يعزز جودة حياتهم، هذه المبادرة التي تنفذ بالشراكة مع الكوادر التعليميَّة والمتطوِّعين والجمعيَّات، تمثِّل تطبيقًا عمليًّا لفلسفة مدن التعلُّم، حيث تتحوَّل المدرسة إلى مركز إشعاع معرفي يخدم الفرد والأسرة والمجتمع، ويسهم في بناء مجتمع متعلم متماسك.

ويمتد الأثر إلى خدمة ضيوف الرَّحمن، حيث خاضت طالبات المدرسة تجربة ميدانيَّة رائدة في الإرشاد السياحي في المدينة المنوَّرة، بحضور ومشاركة معالي وزير السياحة، في مشهد يعكس تكامل الجهود بين التعليم والسياحة والثقافة. هذه التجربة لم تكن نشاطًا عابرًا، بل كانت تدريبًا عمليًّا على مهارات التواصل، والاعتزاز بالهويَّة، وتحمل المسؤوليَّة الوطنيَّة، وأسهمت بوضوح في تعزيز ثقة الطالبات بأنفسهنَّ، وإدراكهنَّ لدورهنَّ في خدمة الوطن وزواره وهن يتحدثن بأكثر من خمس عشرة لغة من لغات العالم.

وهكذا تتحوَّل المدينة المنوَّرة بعراقتها ومكانتها إلى مدينة تتعلم وتُعلم، مدينة تصنع من الحرف بداية، ومن المبادرة مسارًا، ومن الطالبة سفيرة معرفة ورسالة.

إنها مدن التعلم حين تتجسَّد واقعًا في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنوَّرة بقيادة الأستاذ ناصر العبدالكريم، وفريق العمل المتميِّز في قسم التعليم المستمر -مدن التعلم- بقيادة الأستاذ سلطان النزهة.

أخبار ذات صلة

كوبونات شرائية (للمتفوقين)!
ماذا فعلت بي 30 دقيقة من المشي؟!
العقل المفكر والذكاء الاصطناعي وعمارة الأرض
د. حنان بلخي.. كفاءة سعودية نحو قيادة الصحة العالمية
;
«إكرام» و«المجدوعي».. درس في صناعة الكرامة
الناس والوقت
العقول الأكاديمية.. ثروة الجامعات الحقيقية
إنشاء خط التابلاين وأثره
;
البيئة تصنع الفرق
«الشعر».. مرَّة أُخرى
خطبة الجمعة.. كمنبرٍ إعلامي
زيارة فرنسا.. في ذاكرة العالم
;
إعلامنا الرياضي.. من صناعة التوتر إلى الوعي
وهم الحقيقة.. حين لا نرى إلا ما نريد
التمكين.. شراكة المرأة مع الرجل (2)
المسجد النبوي الشريف.. وتوعية المصلين