منتدى
الكيف لا الكم: خريطة طريق لتدريب تعليمي نافذ الأثر
تاريخ النشر: 09 يونيو 2026 11:50 KSA
في كلِّ محطَّة من محطَّات الحياة، يصبحُ من الحكمة والرَّشاقة الإداريَّة أنْ نُعيد النَّظر في بوصلة قراراتنا. فالقراراتُ بنتُ ظروفِها، ومعطيات الأمس قد لا تصبحُ صالحةً لبيئة اليوم. وعندما تتغيَّر المقتضيات، يصبح التعديلُ، بالإضافة أو الحذف، ليس مجرَّد خيارٍ، بل ضرورة حتميَّة للتحسين والتطوير في الاتجاه الصَّحيح. وثمَّة حكمة إنجليزيَّة بليغة تختزلُ هذا المشهد: (إذا ركبتَ القطارَ الخطأ، فإنَّ أفضلَ الحلولِ أنْ تنزلَ في أوَّل محطَّة؛ لأنَّ قطعَ مزيدٍ من المسافةِ لن يزيدَكَ إلَّا بُعدًا عن الهدفِ).
وقطاع التعليم، بثقله الإستراتيجيِّ، وملفَّاته الكُبرى، ليس بمعزلٍ عن هذه المراجعات الجريئة. وإذا كان من الصَّعب تشريح كافَّة ملفَّاته في مساحة مقالٍ، فإنَّني سأركِّز المجهر على 'الجانب التدريبيِّ'، بوصفه المحرِّك الأساس للتنمية البشريَّة، ومنطلقًا من التخصص والخبرة الميدانيَّة في هذا الفضاء، تاركًا بقيَّة الملفَّات لفرسانها من المتخصِّصين.
إنَّ المشهد التدريبيَّ خلال العام الدراسي، يزخرُ بفيض من البرامج، ما بين حضوريٍّ مباشر، وعن بُعدٍ (متزامن وغير متزامن). ومع هذا الحِراك الواسع، إلَّا أنَّ السؤال الجوهريَّ يظلُّ قائمًا: كيف نحقِّق الفائدة المرجوَّة من هذه البرامج؟ وللإجابة عن ذلك، أرى ضرورة ارتكاز العمل التدريبيِّ على محاور أربعة لا غنى عنها:
1- الاستحقاق النَّابع من الاحتياج
إنَّ أولى ركائز التدريب الناجح، هي أنْ يُبنى البرنامج على احتياج حقيقيٍّ ينبع من الفئة المستهدَفة ذاتها، ويُقَاس بأدوات علميَّة دقيقة كالاستبانات والاستطلاعات. وقد يرى البعض أنَّ التقنيات والبرامج الجديدة تطرأ على الميدان التعليميِّ دون علمٍ مسبقٍ من المستهدفين بها؛ وهنا نقول: لا بأس بتقديم 'مصفوفة برامج' تشمل الاحتياجات الحاليَّة، والتوجُّهات الحديثة، مع شرح موجزٍ لكلِّ برنامج. يُترك الخيار بعد ذلك للمستهدَف ليختار ما يتقاطع مع قدراته واهتماماته. فإقحام المتدرب في برامج لا تمس واقعه، أو لا تتناسب مع مؤهَّلاته يُضعف دافعيَّته، ويجعل العائد المعرفي ضئيلًا جدًّا.
2- هندسة الحقائب التدريبيَّة
الجانب الآخر يتجسَّد في لغة الحقيبة التدريبيَّة وأنشطتها؛ فالله قد خلق البشر متفاوتين في الأفهام، والقدرات، والخبرات. وبناءً على هذه الحقيقة الكونيّة، لا توجد 'حقيبة سحريَّة' تصلح لجميع الفئات والمستويات. يجب أنْ تُصمَّم البرامج بخبرات ونظريَّات تتَّسق تمامًا مع طبيعة المتدرِّبين وخلفيَّاتهم المعرفيَّة.
3- هوية المدرِّب.. التخصص لا اللقب
المدرِّب هو قبطان العمليَّة التدريبيَّة، والأولويَّة هنا تقتضي أنْ يكون المدرِّب من جنس الفئة المستهدَفة؛ تحقيقًا لتقارب الأفكار وتناغم الخبرات، وهو ما يتجلَّى بوضوح في حيويَّة الأمثلة والتطبيقات الميدانيَّة أثناء التدريب.
إنَّ المدرِّب المتخصِّص هو الأقدر والأجدر بإيصال المهارة وصقلها. وفي عالم متسارع، يحتاج المدرب إلى تجديد أدواته واكتساب مهارات تتناسب مع طبيعة كل برنامج يقدِّمه، فالألقاب والمسمَّيات الرنَّانة لم تعد تكفي وحدها لصناعة الأثر.
4- خصوصيَّة الفئة المستهدفة
من غير المنطقيِّ، إداريًّا وعلميًّا، حشد فئات متعدِّدة ومتباينة في برنامج تدريبي واحد، حتى وإنْ كانت المهارة المطروحة تصنف كـ'مهارة عامة' أو مشتركة. فاللغة المستخدمة، وطبيعة الأنشطة، وسياق الأمثلة، يجب أنْ تُفصَّل على مقاس الفئة الحاضرة وقدراتها. ولعلَّ ما شاهده الميدانُ التعليميُّ -خلال العام الدراسيِّ المنصرم- من برامج وُصفت بـ'النوعيَّة'، وجُمع فيها المشرفُون والمديرُون والموجِّهُون والمعلِّمُون في قالب واحد، هو أكبر شاهد عيان على ضرورة مراجعة هذا الأسلوب وتفكيكه لصالح الخصوصيَّة المهنيَّة لكل فئة.
خاتمة الحصاد: قياس الأثر
في نهاية المطاف، فإنَّ أيَّ برنامج تدريبي يُقدَّم دون آليَّة واضحة لـ'قياس الأثر' والمتابعة اللاحقة، سيبقى حبرًا على ورق، ولن يجد طريقه للتطبيق الفعليِّ. ولتحقيق العائد الحقيقيِّ، نحن بحاجة إلى التركيز على برنامج واحد نمنحه الوقت الكافي، ونقيس أثره بالملاحظة والمتابعة المباشرة من قِبل خبراء قادرِين على تقييم التجربة؛ سواء كان مدرِّب البرنامج، أو مدير المؤسسة التعليميَّة.
إنَّ الميدان اليوم بحاجة إلى وقفة مراجعة شجاعة، ننشد فيها الكيف لا الكم، وننحاز فيها إلى المحتوى لا المسمَّى، ونبحث فيها عن المدرب الكفء لا اللقب البرَّاق.
وقطاع التعليم، بثقله الإستراتيجيِّ، وملفَّاته الكُبرى، ليس بمعزلٍ عن هذه المراجعات الجريئة. وإذا كان من الصَّعب تشريح كافَّة ملفَّاته في مساحة مقالٍ، فإنَّني سأركِّز المجهر على 'الجانب التدريبيِّ'، بوصفه المحرِّك الأساس للتنمية البشريَّة، ومنطلقًا من التخصص والخبرة الميدانيَّة في هذا الفضاء، تاركًا بقيَّة الملفَّات لفرسانها من المتخصِّصين.
إنَّ المشهد التدريبيَّ خلال العام الدراسي، يزخرُ بفيض من البرامج، ما بين حضوريٍّ مباشر، وعن بُعدٍ (متزامن وغير متزامن). ومع هذا الحِراك الواسع، إلَّا أنَّ السؤال الجوهريَّ يظلُّ قائمًا: كيف نحقِّق الفائدة المرجوَّة من هذه البرامج؟ وللإجابة عن ذلك، أرى ضرورة ارتكاز العمل التدريبيِّ على محاور أربعة لا غنى عنها:
1- الاستحقاق النَّابع من الاحتياج
إنَّ أولى ركائز التدريب الناجح، هي أنْ يُبنى البرنامج على احتياج حقيقيٍّ ينبع من الفئة المستهدَفة ذاتها، ويُقَاس بأدوات علميَّة دقيقة كالاستبانات والاستطلاعات. وقد يرى البعض أنَّ التقنيات والبرامج الجديدة تطرأ على الميدان التعليميِّ دون علمٍ مسبقٍ من المستهدفين بها؛ وهنا نقول: لا بأس بتقديم 'مصفوفة برامج' تشمل الاحتياجات الحاليَّة، والتوجُّهات الحديثة، مع شرح موجزٍ لكلِّ برنامج. يُترك الخيار بعد ذلك للمستهدَف ليختار ما يتقاطع مع قدراته واهتماماته. فإقحام المتدرب في برامج لا تمس واقعه، أو لا تتناسب مع مؤهَّلاته يُضعف دافعيَّته، ويجعل العائد المعرفي ضئيلًا جدًّا.
2- هندسة الحقائب التدريبيَّة
الجانب الآخر يتجسَّد في لغة الحقيبة التدريبيَّة وأنشطتها؛ فالله قد خلق البشر متفاوتين في الأفهام، والقدرات، والخبرات. وبناءً على هذه الحقيقة الكونيّة، لا توجد 'حقيبة سحريَّة' تصلح لجميع الفئات والمستويات. يجب أنْ تُصمَّم البرامج بخبرات ونظريَّات تتَّسق تمامًا مع طبيعة المتدرِّبين وخلفيَّاتهم المعرفيَّة.
3- هوية المدرِّب.. التخصص لا اللقب
المدرِّب هو قبطان العمليَّة التدريبيَّة، والأولويَّة هنا تقتضي أنْ يكون المدرِّب من جنس الفئة المستهدَفة؛ تحقيقًا لتقارب الأفكار وتناغم الخبرات، وهو ما يتجلَّى بوضوح في حيويَّة الأمثلة والتطبيقات الميدانيَّة أثناء التدريب.
إنَّ المدرِّب المتخصِّص هو الأقدر والأجدر بإيصال المهارة وصقلها. وفي عالم متسارع، يحتاج المدرب إلى تجديد أدواته واكتساب مهارات تتناسب مع طبيعة كل برنامج يقدِّمه، فالألقاب والمسمَّيات الرنَّانة لم تعد تكفي وحدها لصناعة الأثر.
4- خصوصيَّة الفئة المستهدفة
من غير المنطقيِّ، إداريًّا وعلميًّا، حشد فئات متعدِّدة ومتباينة في برنامج تدريبي واحد، حتى وإنْ كانت المهارة المطروحة تصنف كـ'مهارة عامة' أو مشتركة. فاللغة المستخدمة، وطبيعة الأنشطة، وسياق الأمثلة، يجب أنْ تُفصَّل على مقاس الفئة الحاضرة وقدراتها. ولعلَّ ما شاهده الميدانُ التعليميُّ -خلال العام الدراسيِّ المنصرم- من برامج وُصفت بـ'النوعيَّة'، وجُمع فيها المشرفُون والمديرُون والموجِّهُون والمعلِّمُون في قالب واحد، هو أكبر شاهد عيان على ضرورة مراجعة هذا الأسلوب وتفكيكه لصالح الخصوصيَّة المهنيَّة لكل فئة.
خاتمة الحصاد: قياس الأثر
في نهاية المطاف، فإنَّ أيَّ برنامج تدريبي يُقدَّم دون آليَّة واضحة لـ'قياس الأثر' والمتابعة اللاحقة، سيبقى حبرًا على ورق، ولن يجد طريقه للتطبيق الفعليِّ. ولتحقيق العائد الحقيقيِّ، نحن بحاجة إلى التركيز على برنامج واحد نمنحه الوقت الكافي، ونقيس أثره بالملاحظة والمتابعة المباشرة من قِبل خبراء قادرِين على تقييم التجربة؛ سواء كان مدرِّب البرنامج، أو مدير المؤسسة التعليميَّة.
إنَّ الميدان اليوم بحاجة إلى وقفة مراجعة شجاعة، ننشد فيها الكيف لا الكم، وننحاز فيها إلى المحتوى لا المسمَّى، ونبحث فيها عن المدرب الكفء لا اللقب البرَّاق.