كتاب
"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
تاريخ النشر: 15 يونيو 2026 11:33 KSA
نتيجة لسياسة الطفل الواحد التي طُبقت في الصين لسنوات طويلة، فإن الأسر التي يُرزق أفرادها بطفل ذكر كانوا يغمرونه بالحب والإعجاب والاهتمام. وكانت النتيجة ظهور ما أُطلق عليه اسم «الأباطرة الصغار»، وهو جيل جديد من الأطفال المدللين الذين يتعاملون مع الآخرين وكأنهم خدمٌ كُرِّست حياتهم لتلبية احتياجات أسيادهم.
لقد أصبحت الأنانية سيدة العصر. فاقتصاد السوق الحر في نظر كثيرين لم يعد سوى وسيلة لجني المال بلا أخلاق. وتعظيم الأرباح، وتقليص التكاليف، وفعل كل ما يلزم للوصول إلى القمة والتقدم على الآخرين، بات أمراً مقبولاً بل ومحل إعجاب ما دام صاحبه يفلت من العقاب. كما أصبح معيار النجاح في الحياة أكثر مادية، وأضحى التباهي بالثروة والنفوذ يُعد صورةً حسنة، بينما يُنظر إلى التظاهر والتصنع على أنهما وجاهة ومكانة اجتماعية.
يقول أحد تجار جدة القدامى متحدثاً عن الأيام الخوالي: «عندما كنا نفتح متاجرنا صباحاً، قد يحالف الحظ بعضنا أكثر من غيره، فيأتيه الزبائن أولاً. وكان التاجر المحظوظ يوجّه الزبون التالي قائلاً: لقد نلت نصيبي من الرزق هذا الصباح، فاذهب إلى جاري الذي لم يحظ بمثل هذا التوفيق».
وقد سمعت روايات مشابهة في أنحاء مختلفة من العالم العربي، حين كانت المكانة الاجتماعية تُكتسب بالعطاء لا بالأخذ، وبالخدمة لا بطلب الخدمة، وبالتضحية لا بالاستحواذ.
ويروي تاجر مخضرم آخر: «حين قرر أبناء إحدى العائلات التجارية المعروفة استيراد مواد غذائية لمنافسة تاجر متخصص في هذا المجال، غضب كبار الأسرة بشدة، وصادروا الشحنة الجديدة، ثم باعوها لذلك التاجر بسعر التكلفة مع الاعتذار عن التعدي على مجاله التجاري». ثم يعلق قائلاً: «أما اليوم، فقد يفتك رجال الأعمال بعضهم ببعض من أجل قروش قليلة. لم تعد هناك مبادئ تُحترم!».
الأنانية نزعة بشرية طبيعية، لكن الثقافات المتحضرة تعمل على تهذيبها. والأديان في جوهرها منظومة من القواعد والقيم التي تُنشئ ثقافة أخلاقية. فالخير والتعاطف ومراعاة الآخرين هي الترياق المضاد للأنانية، ثم تأتي القوانين والأنظمة المدنية لتدعم ذلك. فالمجتمعات المتقدمة تعاقب من يستغل الآخرين لمصالحه الشخصية، وتكافئ من يساعد ويتعاون ويدعم. أما في غياب هذه الضوابط والترياقات، فإن مرض «أنا أولاً» يحول الحياة إلى غابة حقيقية.
والإسلام يهتم بكيفية تعاملنا مع بعضنا بعضاً بقدر اهتمامه بالعبادات، فالله سبحانه غني عن عباده، أما الناس فهم بحاجة إلى بعضهم بعضاً. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». كما بيّن عليه الصلاة والسلام أن رسالته جاءت لتتمم مكارم الأخلاق.
ومع ذلك، لا يزال كثيرون يظنون أن أداء الصلاة والصيام والعبادات كافٍ وحده لضمان دخول الجنة.
وللأسف، فإن تربيتنا الاجتماعية لا تساعد كثيراً على معالجة هذه المشكلة. فالأبناء، اقتداءً بآبائهم وكبارهم، يتصرفون أحياناً وكأن الذات هي كل ما يهم. ويكبرون وهم يعتقدون أن سبيل النجاح والازدهار هو البحث عن المصلحة الشخصية قبل كل شيء.
وتطل الأنانية بوجهها القبيح في كل مكان. نراها في هدر الموارد كالمياه والطاقة والغذاء دون أدنى اعتبار للمحتاجين أو للأجيال القادمة. ونراها في الطرقات من خلال كثير من السلوكيات المرورية الخاطئة. فالسائق لا يجهل الصواب من الخطأ، لكنه يريد أن يتقدم على غيره، وأن يوقف سيارته عند الباب، وأن يصل أولاً. ولا يهمه إن كان ذلك على حساب الآخرين، أو سبب ازدحاماً وتعطيلاً لمن التزموا بالنظام وانتظروا دورهم. المهم لديه هو ما يحقق مصلحته الشخصية.
وتبلغ ثقافة «أنا أولاً» أسوأ صورها، فالشخص نفسه الذي يتجاوز الطوابير ويخالف الأنظمة ويقود بسرعة متهورة، لا يجرؤ على فعل ذلك في البلدان التي لا تتسامح مع هذه التصرفات.
فما رأيكم أيها القراء؟ كيف يمكننا تغيير ثقافة الأنانية هذه؟ هل يمكن للدين والتعليم والإعلام أن تكون أدوات فعالة في ذلك؟ أم أننا بحاجة قبل كل شيء إلى تطبيق أكثر صرامة للأنظمة والقوانين؟ وهل أصبح إصلاح جيلنا أمراً بالغ الصعوبة، بحيث ينبغي أن نركز جهودنا على الأجيال الجديدة؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك؟
لقد أصبحت الأنانية سيدة العصر. فاقتصاد السوق الحر في نظر كثيرين لم يعد سوى وسيلة لجني المال بلا أخلاق. وتعظيم الأرباح، وتقليص التكاليف، وفعل كل ما يلزم للوصول إلى القمة والتقدم على الآخرين، بات أمراً مقبولاً بل ومحل إعجاب ما دام صاحبه يفلت من العقاب. كما أصبح معيار النجاح في الحياة أكثر مادية، وأضحى التباهي بالثروة والنفوذ يُعد صورةً حسنة، بينما يُنظر إلى التظاهر والتصنع على أنهما وجاهة ومكانة اجتماعية.
يقول أحد تجار جدة القدامى متحدثاً عن الأيام الخوالي: «عندما كنا نفتح متاجرنا صباحاً، قد يحالف الحظ بعضنا أكثر من غيره، فيأتيه الزبائن أولاً. وكان التاجر المحظوظ يوجّه الزبون التالي قائلاً: لقد نلت نصيبي من الرزق هذا الصباح، فاذهب إلى جاري الذي لم يحظ بمثل هذا التوفيق».
وقد سمعت روايات مشابهة في أنحاء مختلفة من العالم العربي، حين كانت المكانة الاجتماعية تُكتسب بالعطاء لا بالأخذ، وبالخدمة لا بطلب الخدمة، وبالتضحية لا بالاستحواذ.
ويروي تاجر مخضرم آخر: «حين قرر أبناء إحدى العائلات التجارية المعروفة استيراد مواد غذائية لمنافسة تاجر متخصص في هذا المجال، غضب كبار الأسرة بشدة، وصادروا الشحنة الجديدة، ثم باعوها لذلك التاجر بسعر التكلفة مع الاعتذار عن التعدي على مجاله التجاري». ثم يعلق قائلاً: «أما اليوم، فقد يفتك رجال الأعمال بعضهم ببعض من أجل قروش قليلة. لم تعد هناك مبادئ تُحترم!».
الأنانية نزعة بشرية طبيعية، لكن الثقافات المتحضرة تعمل على تهذيبها. والأديان في جوهرها منظومة من القواعد والقيم التي تُنشئ ثقافة أخلاقية. فالخير والتعاطف ومراعاة الآخرين هي الترياق المضاد للأنانية، ثم تأتي القوانين والأنظمة المدنية لتدعم ذلك. فالمجتمعات المتقدمة تعاقب من يستغل الآخرين لمصالحه الشخصية، وتكافئ من يساعد ويتعاون ويدعم. أما في غياب هذه الضوابط والترياقات، فإن مرض «أنا أولاً» يحول الحياة إلى غابة حقيقية.
والإسلام يهتم بكيفية تعاملنا مع بعضنا بعضاً بقدر اهتمامه بالعبادات، فالله سبحانه غني عن عباده، أما الناس فهم بحاجة إلى بعضهم بعضاً. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». كما بيّن عليه الصلاة والسلام أن رسالته جاءت لتتمم مكارم الأخلاق.
ومع ذلك، لا يزال كثيرون يظنون أن أداء الصلاة والصيام والعبادات كافٍ وحده لضمان دخول الجنة.
وللأسف، فإن تربيتنا الاجتماعية لا تساعد كثيراً على معالجة هذه المشكلة. فالأبناء، اقتداءً بآبائهم وكبارهم، يتصرفون أحياناً وكأن الذات هي كل ما يهم. ويكبرون وهم يعتقدون أن سبيل النجاح والازدهار هو البحث عن المصلحة الشخصية قبل كل شيء.
وتطل الأنانية بوجهها القبيح في كل مكان. نراها في هدر الموارد كالمياه والطاقة والغذاء دون أدنى اعتبار للمحتاجين أو للأجيال القادمة. ونراها في الطرقات من خلال كثير من السلوكيات المرورية الخاطئة. فالسائق لا يجهل الصواب من الخطأ، لكنه يريد أن يتقدم على غيره، وأن يوقف سيارته عند الباب، وأن يصل أولاً. ولا يهمه إن كان ذلك على حساب الآخرين، أو سبب ازدحاماً وتعطيلاً لمن التزموا بالنظام وانتظروا دورهم. المهم لديه هو ما يحقق مصلحته الشخصية.
وتبلغ ثقافة «أنا أولاً» أسوأ صورها، فالشخص نفسه الذي يتجاوز الطوابير ويخالف الأنظمة ويقود بسرعة متهورة، لا يجرؤ على فعل ذلك في البلدان التي لا تتسامح مع هذه التصرفات.
فما رأيكم أيها القراء؟ كيف يمكننا تغيير ثقافة الأنانية هذه؟ هل يمكن للدين والتعليم والإعلام أن تكون أدوات فعالة في ذلك؟ أم أننا بحاجة قبل كل شيء إلى تطبيق أكثر صرامة للأنظمة والقوانين؟ وهل أصبح إصلاح جيلنا أمراً بالغ الصعوبة، بحيث ينبغي أن نركز جهودنا على الأجيال الجديدة؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك؟